البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨٢ - باب هجرة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بنفسه الكريمة من مكة الى المدينة و معه أبو بكر الصديق رضى اللَّه عنه
فخرجت في وجه النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) تستره، و أن اللَّه بعث العنكبوت فنسجت ما بينهما فسترت وجه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أمر اللَّه حمامتين وحشيتين فأقبلتا يدفان حتى وقعتا بين العنكبوت و بين الشجرة و أقبلت فتيان قريش من كل بطن منهم رجل، معهم عصيهم و قسيهم و هراواتهم، حتى إذا كانوا من رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قدر مائتي ذراع قال الدليل- و هو سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي- هذا الحجر ثم لا أدرى أين وضع رجله. فقال الفتيان: أنت لم تخطىء منذ الليلة. حتى إذا أصبحن قال:
انظروا في الغار، فاستقبه القوم حتى إذا كانوا من النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قدر خمسين ذراعا، فإذا الحمامتان ترجع [١] فقالوا ما ردك أن تنظر في الغار؟ قال رأيت حمامتين وحشيتين بفم الغار، فعرفت أن ليس فيه أحد. فسمعها النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فعرف أن اللَّه قد درأ عنهما بهما، فسمت عليهما- أي برّك عليهما- و أحدرهما اللَّه إلى الحرم فأفرخا كما ترى. و هذا حديث غريب جدا من هذا الوجه. قد رواه الحافظ أبو نعيم من حديث مسلم بن إبراهيم و غيره عن عون بن عمرو- و هو الملقب بعوين- باسناده مثله.
و فيه أن جميع حمام مكة من نسل تيك الحمامتين، و في هذا الحديث أن القائف الّذي اقتفى لهم الأثر سراقة بن مالك المدلجي و قد روى الواقدي عن موسى بن محمد بن إبراهيم عن أبيه أن الّذي اقتفى لهم الأثر كرز بن علقمة.
قلت: و يحتمل أن يكونا جميعا اقتفيا الأثر و اللَّه أعلم. و قد قال اللَّه تعالى إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَ جَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَ اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ يقول تعالى مؤنبا لمن تخلف عن الجهاد مع الرسول إِلَّا تَنْصُرُوهُ أنتم فان اللَّه ناصره و مؤيده و مظفره كما نصره إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة هاربا ليس معه غير صاحبه و صديقه أبى بكر ليس غيره و لهذا قال ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ أي و قد لجئا إلى الغار فأقاما فيه ثلاثة أيام ليسكن الطلب عنهما، و ذلك لأن المشركين حين فقدوهما كما تقدم ذهبوا في طلبهما كل مذهب من سائر الجهات، و جعلوا لمن ردهما- أو أحدهما- مائة من الإبل، و اقتصوا آثارهما حتى اختلط عليهم، و كان الّذي يقتص الأثر لقريش سراقة بن مالك بن جعشم كما تقدم، فصعدوا الجبل الّذي هما فيه و جعلوا يمرون على باب الغار، فتحاذى أرجلهم لباب الغار و لا يرونهما، حفظا من اللَّه لهما كما
قال الامام احمد حدثنا عفان ثنا همام أنا ثابت عن أنس بن مالك أن أبا بكر حدثه. قال قلت للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و نحن في الغار. لو ان أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه؟ فقال: «يا أبا بكر ما ظنك باثنين اللَّه ثالثهما» و أخرجه البخاري و مسلم في صحيحيهما من حديث همام به.
و قد ذكر
[١] يظهر أن هنا نقص معناه: فرجع الدليل.