البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧٦ - باب هجرة من هاجر من أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، من مكة إلى أرض الحبشة، فرارا بدينهم من الفتنة
حاجة فأدركوه قبل أن يذهب، فخرجوا في طلبه فأدركوه فردوه فعقدوا عليه تاجه و أجلسوه على سريره و ملكوه، فقال التاجر: ردوا على مالي كما أخذتم منى غلامي، فقالوا: لا نعطيك. فقال: إذا و اللَّه لأكلمنه، فمشى اليه فكلمه فقال أيها الملك انى ابتعت غلاما فقبض منى الّذي باعوه ثمنه، ثم عدوا على غلامي فنزعوه من يدي و لم يردوا على مالي، فكان أول ما خبر به من صلابة حكمه و عدله ان قال: لتردن عليه ماله، أو لتجعلن يد غلامه في يده فليذهبن به حيث شاء. فقالوا: بل نعطيه ماله فأعطوه إياه، فلذلك يقول: ما أخذ اللَّه منى الرشوة فآخذ الرشوة حين رد على ملكي، و ما أطاع الناس فىّ فأطيع الناس فيه.
و قال موسى بن عقبة: كان أبو النجاشي ملك الحبشة، فمات و النجاشي غلام صغير فاوصى الى أخيه أن إليك ملك قومك حتى يبلغ ابني، فإذا بلغ فله الملك فرغب أخوه في الملك فباع النجاشي من بعض التجار فمات عمه من ليلته و قضى، فردت الحبشة النجاشي حتى وضعوا التاج على رأسه هكذا ذكره مختصرا و سياق ابن إسحاق أحسن و ابسط فاللَّه أعلم. و الّذي وقع في سياق ابن إسحاق انما هو ذكر عمرو بن العاص و عبد اللَّه بن أبى ربيعة، و الّذي ذكره موسى بن عقبة و الأموي و غير واحد أنهما عمرو بن العاص و عمارة بن الوليد بن المغيرة و هو أحد السبعة الذين دعا عليهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حين تضاحكوا يوم وضع سلا الجزور على ظهره (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو ساجد عند الكعبة.
و هكذا تقدم في حديث ابن مسعود و أبى موسى الأشعري. و المقصود انهما حين خرجا من مكة كانت زوجة عمرو معه و عمارة كان شابا حسنا فاصطحبا في السفينة و كان عمارة طمع في امرأة عمرو ابن العاص، فألقى عمرا في البحر ليهلكه فسبح حتى رجع اليها. فقال له عمارة: لو أعلم أنك تحسن السباحة لما ألقيتك، فحقد عمرو عليه فلما لم يقض لهما حاجة في المهاجرين من النجاشي، و كان عمارة قد توصل إلى بعض أهل النجاشي فوشى به عمرو فأمر به النجاشي فسحر حتى ذهب عقله و ساح في البرية مع الوحوش.- و قد ذكر الأموي- قصة مطولة جدا و أنه عاش إلى زمن إمارة عمر بن الخطاب، و أنه تقصده بعض الصحابة و مسكه فجعل يقول أرسلنى أرسلنى و إلا مت فلما لم يرسله مات من ساعته فاللَّه اعلم. و قد قيل أن قريشا بعثت إلى النجاشي في أمر المهاجرين مرتين الأول مع عمرو بن العاص و عمارة و الثانية مع عمرو، و عبد اللَّه بن أبى ربيعة. نص عليه أبو نعيم في الدلائل و اللَّه أعلم. و قد قيل: إن البعثة الثانية كانت بعد وقعة بدر قاله الزهري، لينالوا ممن هناك ثأرا فلم يجبهم النجاشي رضى اللَّه عنه و أرضاه إلى شيء مما سألوا فاللَّه أعلم.
و قد ذكر زياد عن ابن إسحاق: أن أبا طالب لما رأى ذلك من صنيع قريش كتب إلى النجاشي أبياتا يحضه فيها على العدل و على الإحسان إلى من نزل عنده من قومه: