البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥ - ذكر عمره عليه الصلاة و السلام وقت بعثته و تاريخها
أحمد حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أنبأنا عمار بن أبى عمار عن ابن عباس قال أقام النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بمكة خمس عشرة سنة سبع سنين يرى الضوء و يسمع الصوت و ثماني سنين يوحى اليه و أقام بالمدينة عشر سنين.
قال أبو شامة: و قد كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يرى عجائب قبل بعثته فمن ذلك ما
في صحيح مسلم عن جابر بن سمرة قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلّم عليّ قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن»
انتهى كلامه.
و انما كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يحب الخلاء و الانفراد عن قومه، لما يراهم عليه من الضلال المبين من عبادة الأوثان و السجود للأصنام، و قويت محبته للخلوة عند مقاربة ايحاء اللَّه اليه (صلوات اللَّه و سلامه عليه). و قد ذكر محمد بن إسحاق عن عبد الملك بن عبد اللَّه بن ابى سفيان بن العلاء بن حارثة- قال: و كان واعية- عن بعض أهل العلم قال: و كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يخرج إلى حراء في كل عام شهرا من السنة يتنسّك فيه. و كان من نسّك قريش في الجاهلية، يطعم من جاءه من المساكين حتى إذا انصرف من مجاورته لم يدخل بيته حتى يطوف بالكعبة. و هكذا روى عن وهب بن كيسان انه سمع عبيد بن عمير يحدث عبد اللَّه بن الزبير مثل ذلك، و هذا يدل على أن هذا كان من عادة المتعبدين في قريش أنهم يجاورون في حراء للعبادة و لهذا قال أبو طالب في قصيدته المشهورة:
و ثور و من أرسى ثبيرا مكانه* * * وراق ليرقى في حراء و نازل
هكذا صوبه على رواية هذا البيت كما ذكره السهيليّ و أبو شامة و شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي (رحمهم اللَّه)، و قد تصحف على بعض الرواة فقال فيه: وراق ليرقى في حر و نازل- و هذا ركيك و مخالف للصواب و اللَّه أعلم.
و حراء يقصر و يمدّ و يصرف و يمنع، و هو جبل بأعلى مكة على ثلاثة أميال منها عن يسار المار إلى منى، له قلة مشرفة على الكعبة منحنية و الغار في تلك الحنية و ما أحسن ما قال رؤبة بن العجاج
فلا و رب الآمنات القطّن* * * و ربّ ركن من حراء منحني
و قوله في الحديث: و التحنث التعبد، تفسير بالمعنى، و إلا فحقيقة التحنث من حنث البنية [١] فيما قاله السهيليّ الدخول في الحنث و لكن سمعت ألفاظ قليلة في اللغة معناها الخروج من ذلك الشيء كحنث أي خرج من الحنث و تحوب و تحرج و تأثم و تهجد هو ترك الهجود و هو النوم للصلاة و تنجس و تقذر أوردها أبو شامة. و قد سئل ابن الأعرابي عن قوله يتحنث أي يتعبد. فقال: لا أعرف هذا انما هو يتحنف من الحنيفية دين إبراهيم (عليه السلام). قال ابن هشام: و العرب تقول التحنث
[١] كذا في الحلبية و في المصرية: الثنية و عبارة السهيليّ: و التحنث بالمثلثة بالثاء المثلثة.