البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٩٧ - فصل في دخوله (عليه السلام) المدينة و أين استقر منزله بها و ما يتعلق به
ثابت عن أنس بن مالك. قال: إني لأسعى في الغلمان يقولون جاء محمد فاسعى و لا أرى شيئا، ثم يقولون جاء محمد فاسعى و لا أرى شيئا، قال حتى جاء رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و صاحبه أبو بكر. فكمنا في بعض خراب المدينة، ثم بعثا رجلا من أهل البادية يؤذن بهما الأنصار فاستقبلهما زهاء خمسمائة من الأنصار حتى انتهوا اليهما فقالت الأنصار: انطلقا آمنين مطاعين. فاقبل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و صاحبه بين أظهرهم فخرج أهل المدينة حتى أن العواتق لفوق البيوت يتراءينه يقلن أيهم هو، أيهم هو؟ فما رأينا منظرا شبيها به. قال أنس: فلقد رأيته يوم دخل علينا و يوم قبض، فلم أر يومين شبيها بهما و رواه البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن محمد بن إسحاق الصنعاني عن أبى النضر هاشم بن القاسم عن سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس بنحوه- أو مثله- و في الصحيحين من طريق إسرائيل عن أبى إسحاق عن البراء عن أبى بكر في حديث الهجرة. قال: و خرج الناس حين قدمنا المدينة في الطرق و على البيوت و الغلمان و الخدم يقولون: اللَّه أكبر جاء رسول اللَّه، اللَّه أكبر جاء محمد، اللَّه أكبر جاء محمد، اللَّه أكبر جاء رسول اللَّه. فلما أصبح انطلق و ذهب حيث أمر. و قال البيهقي أخبرنا أبو عمر و الأديب أخبرنا أبو بكر الإسماعيلي سمعت أبا خليفة يقول سمعت ابن عائشة يقول:
لما قدم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) المدينة جعل النساء و الصبيان يقلن:
طلع البدر علينا* * * من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا* * * ما دعا للَّه داع
قال محمد بن إسحاق: فنزل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)- فيما يذكرون يعنى حين نزل- بقباء على كلثوم ابن الهدم أخى بنى عمرو بن عوف ثم أحد بنى عبيد، و يقال بل نزل على سعد بن خيثمة، و يقول من يذكر أنه نزل على كلثوم بن الهدم: إنما كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إذا خرج من منزل كلثوم بن الهدم جلس للناس في بيت سعد بن خيثمة، و ذلك أنه كان عزبا لا أهل له، و كان يقال لبيته بيت العزاب و اللَّه أعلم. و نزل أبو بكر رضى اللَّه عنه على خبيب بن إساف أحد بنى الحارث بن الخزرج بالسنح و قيل على خارجة بن زيد بن أبى زهير أخى بنى الحارث بن الخزرج.
قال ابن إسحاق: و أقام على بن أبى طالب بمكة ثلاث ليال و أيامها حتى أدى عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الودائع التي كانت عنده، ثم لحق برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فنزل معه على كلثوم بن الهدم فكان على ابن أبى طالب إنما كانت إقامته بقباء ليلة أو ليلتين. يقول كانت بقباء امرأة لا زوج لها مسلمة، فرأيت إنسانا يأتيها من جوف الليل فيضرب عليها بابها فتخرج اليه فيعطيها شيئا معه فتأخذه، فاستربت بشأنه فقلت لها يا أمة اللَّه من هذا الّذي يضرب عليك بابك كل ليلة فتخرجين اليه فيعطيك شيئا لا أدرى ما هو؟ و أنت امرأة مسلمة لا زوج لك؟ قالت: هذا سهل بن حنيف،