البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٨ - باب هجرة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بنفسه الكريمة من مكة الى المدينة و معه أبو بكر الصديق رضى اللَّه عنه
قال ابن إسحاق: فحدثني من لا أتهم عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: كان لا يخطئ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن يأتى بيت أبى بكر أحد طرفي النهار، إما بكرة، و إما عشية.
حتى إذا كان اليوم الّذي أذن اللَّه فيه رسوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في الهجرة و الخروج من مكة من بين ظهري قومه أتانا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالهاجرة في ساعة كان لا يأتى فيها، قالت فلما رآه أبو بكر قال: ما جاء رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في هذه الساعة إلا لأمر حدث! قالت فلما دخل تأخر له أبو بكر عن سريره فجلس رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و ليس عند رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) [١] أحد إلا أنا و أختى أسماء بنت أبى بكر، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «أخرج عنى من عندك» قال: يا رسول اللَّه إنما هما ابنتاى، و ما ذاك فداك أبى و أمى؟
قال: «إن اللَّه قد أذن لي في الخروج و الهجرة» قالت فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول اللَّه؟ قال:
«الصحبة» قالت فو اللَّه ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدا يبكى من الفرح حتى رأيت أبا بكر يومئذ يبكى. ثم قال: يا نبي اللَّه إن هاتين راحلتين كنت أعددتهما لهذا،
فاستأجرا عبد اللَّه بن أرقد [٢] قال ابن هشام: و يقال عبد اللَّه بن أريقط. رجلا من بنى الدئل بن بكر، و كانت أمه من بنى سهم بن عمرو، و كان مشركا يدلهما على الطريق و دفعا اليه راحلتيهما، فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما قال ابن إسحاق: و لم يعلم- فيما بلغني- بخروج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أحد حين خرج إلا على بن أبى طالب و أبو بكر الصديق و آل أبى بكر، أما على فان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أمره أن يتخلف حتى يؤدى عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الودائع التي كانت عنده للناس، و كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و ليس بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عنده لما يعلم من صدقه و أمانته. قال ابن إسحاق: فلما أجمع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) [الخروج] أتى أبا بكر بن أبى قحافة فخرجا من خوخة لأبى بكر في ظهر بيته. و قد
روى أبو نعيم من طريق إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق. قال: بلغني أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لما خرج من مكة مهاجرا إلى اللَّه يريد المدينة قال: «الحمد للَّه الّذي خلقني و لم أك شيئا، اللَّهمّ أعنى على هول الدنيا، و بوائق الدهر، و مصائب الليالي و الأيام. اللَّهمّ اصحبنى في سفري. و اخلفني في أهلي، و بارك لي فيما رزقتني و لك فذلّلني. و على صالح خلقي فقومني، و إليك رب فحببني، و إلى الناس فلا تكلني، رب المستضعفين و أنت ربى أعوذ بوجهك الكريم الّذي أشرقت له السموات و الأرض، و كشفت به الظلمات، و صلح عليه أمر الأولين و الآخرين، أن تحل على غضبك، و تنزل بى سخطك، أعوذ بك من زوال نعمتك، و فجأة نقمتك، و تحول عافيتك و جميع سخطك. لك العقبي عندي خير ما استطعت، لا حول و لا قوة إلا بك».
[١] كذا بالأصلين، و الّذي في ابن هشام و ليس عند أبى بكر إلا أنا و أختى، و هذا ما يقتضيه سياق الكلام.
[٢] كذا في المصرية، و في ح: عبد اللَّه بن أرقأ و صحته: عبد اللَّه بن أريقط.