البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٩٥ - ذكر نقض الصحيفة
ما شاء، و لا يؤذينا بذلك و لا يستعلن به، فانا نخشى أن يفتن نساءنا و أبناءنا. فقال ابن الدغنة ذلك لأبي بكر، فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره، و لا يستعلن بصلاته، و لا يقرأ في غير داره. ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره و كان يصلى فيه و يقرأنّ القرآن، فكان [١] نساء المشركين و أبناؤهم يعجبون منه و ينظرون إليه. و كان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فافزع ذلك أشراف قريش من المشركين فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم. فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره فأعلن في الصلاة و القراءة فيه، و إنا قد خشينا أن يفتتن أبناؤنا و نساؤنا فإنه فان أحب على ان يقتصر ان يعبد ربه في داره فعل، و أن أبى إلا أن يعلن ذلك فسله ان يرد عليك ذمتك فانا قد كرهنا نخفرك و لسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان. قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة إلى أبى بكر فقال قد علمت الّذي قد عاقدت عليه قريش [٢] فاما ان تقتصر على ذلك و أما ان ترد إلى ذمتي فانى لا أحب أن تسمع العرب أنى أخفرت في رجل عقدت له. فقال أبو بكر: فانى أرد عليك جوارك و أرضى بجوار اللَّه عز و جل. ثم ذكر تمام الحديث في هجرة أبى بكر رضى اللَّه عنه مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كما سيأتي مبسوطا.
قال ابن إسحاق: و حدثني عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق قال: لقيه- يعنى أبا بكر الصديق حين خرج من جوار ابن الدغنة- سفيه من سفهاء قريش و هو عامد إلى الكعبة فحثا على رأسه ترابا، فمر بأبي بكر الوليد بن المغيرة- أو العاص بن وائل- فقال له أبو بكر رضى اللَّه عنه: ألا ترى ما يصنع هذا السفيه؟ فقال: أنت فعلت ذلك بنفسك. و هو يقول أي رب ما أحلمك، اى رب ما أحلمك، أي رب ما أحلمك.
فصل
كل هذه القصص ذكرها ابن إسحاق معترضا بها بين تعاقد قريش على بنى هاشم و بنى المطلب و كتابتهم عليهم الصحيفة الظالمة و حصرهم إياهم في الشعب، و بين نقض الصحيفة و ما كان من أمرها و هي أمور مناسبة لهذا الوقت، و لهذا قال الشافعيّ (رحمه اللَّه): من أراد المغازي فهو عيال على ابن إسحاق.
ذكر نقض الصحيفة
قال ابن إسحاق: هذا و بنو هاشم، و بنو المطلب في منزلهم الّذي تعاقدت فيه قريش عليهم
[١] في النسخة المصرية: فيتقذف نساء المشركين إلخ.
[٢] في المصرية: قد عاقدتك عليه.