البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠٨ - فصل في وصول خبر مصاب أهل بدر إلى أهاليهم بمكة
و أهلك عدوه و أسر فلان و فلان و قتل فلان و فلان. التقوا بواد يقال له بدر كثير الأراك كأنى انظر اليه كنت أرعى لسيدي رجل من بنى ضمرة إبله، فقال له جعفر: ما بالك جالس على التراب ليس تحتك بساط و عليك هذه الاخلاط؟ قال إنا نجد فيما أنزل اللَّه على عيسى إن حقا على عباد اللَّه أن يحدثوا للَّه تواضعا عند ما يحدث لهم من نعمة، فلما أحدث اللَّه لي نصر نبيه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أحدثت له هذا التواضع.
فصل في وصول خبر مصاب أهل بدر إلى أهاليهم بمكة
قال ابن إسحاق: و كان أول من قدم مكة بمصاب قريش الحيسمان بن عبد اللَّه الخزاعي فقالوا له ما وراءك؟ قال قتل عتبة بن ربيعة و شيبة بن ربيعة، و أبو الحكم بن هشام، و أمية بن خلف، و زمعة بن الأسود و نبيه و منبه، و أبو البختري بن هشام. فلما جعل يعدد أشراف قريش قال صفوان ابن أمية و اللَّه لن [١] يعقل هذا، فسلوه عنى فقالوا ما فعل صفوان بن أمية؟ قال هو ذاك جالسا في الحجر، قد و اللَّه رأيت أباه و أخاه حين قتلا. قال موسى بن عقبة: و لما وصل الخبر إلى أهل مكة و تحققوه قطعت النساء شعورهن و عقرت خيول كثيرة و رواحل. و ذكر السهيليّ عن كتاب الدلائل لقاسم بن ثابت أنه قال لما كانت وقعة بدر سمعت أهل مكة هاتفا من الجن يقول:
أزار الحنيفيون بدرا وقيعة* * * سينقضّ منها ركن كسرى و قيصرا
أبادت رجالا من لؤيّ و ابرزت* * * خرائد يضر بن الترائب حسرا
فيا ويح من أمسى عدو محمد* * * لقد جار عن قصد الهدى و تحيرا
قال ابن إسحاق: و حدثني حسين بن عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن عباس عن عكرمة مولى ابن عباس قال قال أبو رافع مولى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كنت غلاما للعباس بن عبد المطلب و كان الإسلام قد دخلنا أهل البيت فأسلم العباس و أسلمت أم الفضل و أسلمت و كان العباس يهاب قومه و يكره خلافهم و كان يكتم إسلامه، و كان ذا مال كثير متفرق في قومه، و كان أبو لهب قد تخلف عن بدر فبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة- و كذلك كانوا صنعوا لم يتخلف منهم رجل إلا بعث مكانه رجلا- فلما جاءه الخبر عن مصاب أصحاب بدر من قريش كبته اللَّه و أخزاه و وجدنا في أنفسنا قوة و عزا، قال و كنت رجلا ضعيفا و كنت أعمل الأقداح أنحتها في حجرة زمزم، فو اللَّه إني لجالس فيها أنحت اقداحى و عندي أم الفضل جالسة و قد سرّنا ما جاءنا من الخبر، إذ أقبل ابو لهب يجر رجليه بشر [٢] حتى جلس على طنب الحجرة فكان ظهره إلى ظهري فبينا هو جالس إذا قال الناس هذا أبو
[١] كذا في الحلبية و في المصرية و ابن هشام: و اللَّه أن يعقل هذا.
[٢] كذا في الحلبية و ابن هشام.