البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٤٥ - فصل
تأمل فإن القوم سر و إنهم* * * صريح لؤيّ لا شماطيط جرهم
و ما كان إلا بعض ليلة راكب* * * أتى ساعيا من غير خلة معدم
فصل
في دخول على بن أبى طالب رضى اللَّه عنه على زوجته فاطمة بنت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و ذلك في سنة ثنتين بعد وقعة بدر لما
رواه البخاري و مسلم من طريق الزهري عن على بن الحسين عن أبيه الحسين بن على عن على بن أبى طالب قال: كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر، و كان النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أعطانى شارفا مما أفاء اللَّه من الخمس يومئذ فلما أردت ابتنى فاطمة بنت النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أعدت رجلا صوّاغا من بنى قينقاع أن يرتحل معى فنأتى بإذخر فأردت أن أبيعه من الصواغين فاستعين به في وليمة عرسي فبينا أنا أجمع لشارفيّ من الاقتاب و الغرائر و الحبال و شارفاى مناختان إلى جنب حجرة رجل من الأنصار حتى جمعت ما جمعت، فإذا أنا بشار في قد أجبت أسنمتهما و بقرت خواصرهما و أخذ من أكبادهما، فلم أملك عيني حين رأت المنظر فقلت من فعل هذا؟ قالوا فعله حمزة بن عبد المطلب و هو في هذا البيت و هو في شرب من الأنصار و عنده قينته و أصحابه، فقالت في غنائها:
ألا يا حمز للشّرف النواء
فوثب حمزة إلى السيف فأجب أسنمتهما و بقر خواصرهما و أخذ من أكبادهما، قال على فانطلقت حتى أدخل على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و عنده زيد بن حارثة فعرف النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الّذي لقيت فقال مالك؟ فقلت يا رسول اللَّه ما رأيت كاليوم عدا حمزة على ناقتي فأجب أسنمتهما و بقر خواصرهما و ها هو ذا في البيت معه شرب فدعا النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بردائه فارتداه ثم انطلق يمشى و اتبعته أنا و زيد بن حارثة حتى جاء البيت الّذي فيه حمزة فاستأذن عليه فاذن له فطفق النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يلوم حمزة فيما فعل فإذا حمزة ثمل محمرة عيناه فنظر حمزة إلى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ثم صعد النظر فنظر إلى ركبتيه ثم صعد النظر فنظر الى وجهه ثم قال حمزة: و هل أنتم الا عبيدا لأبي فعرف النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنه ثمل فنكص رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على عقبيه القهقرى فخرج و خرجنا معه.
هذا لفظ البخاري في كتاب المغازي و قد رواه في أماكن أخر من صحيحه بألفاظ كثيرة و في هذا دليل على ما قدمناه من أن غنائم بدر قد خمست لا كما زعمه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الأموال من أن الخمس انما نزل بعد قسمتها و قد خالفه في ذلك جماعة منهم البخاري و ابن جرير و بينا غلطه في ذلك في التفسير و فيما تقدم و اللَّه أعلم. و كان هذا الصنع من حمزة و أصحابه رضى اللَّه عنهم قبل أن تحرم الخمر بل قد قتل حمزة يوم أحد كما سيأتي و ذلك