البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٠ - غزوة بدر العظمى* يوم الفرقان يوم التقى الجمعان
رجلا منكم، فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك فروا رأيكم؟ فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في الناس فأتى عتبة بن ربيعة فقال: يا أبا الوليد إنك كبير قريش و سيدها و المطاع فيها، هل لك إلى أن لا تزال تذكر فيها بخير إلى آخر الدهر؟ قال و ما ذاك يا حكيم؟ قال ترجع بالناس و تحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرميّ قال قد فعلت أنت على بذلك، إنما هو حليفي فعلى عقله و ما أصيب من ماله. فأت ابن الحنظلية- يعنى أبا جهل- فانى لا أخشى أن يسجر [١] أمر الناس غيره، ثم قام عتبة خطيبا فقال: يا معشر قريش إنكم و اللَّه ما تصنعون بأن تلقوا محمدا و أصحابه شيئا، و اللَّه لئن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر إلى وجه رجل يكره النظر اليه، قتل ابن عمه- أو ابن خاله- أو رجلا من عشيرته فارجعوا و خلوا بين محمد و بين سائر العرب، فان أصابوه فذلك الّذي أردتم، و إن كان غير ذلك الفاكم و لم تعرضوا منه ما تريدون قال حكيم: فانطلقت حتى جئت أبا جهل فوجدته قد نثل درعا فهو يهنئها [٢] فقلت له يا أبا الحكم إن عتبة أرسلنى إليك بكذا و كذا فقال: انتفخ و اللَّه سحره حين رأى محمدا و أصحابه، فلا و اللَّه لا نرجع حتى يحكم اللَّه بينا و بين محمد، و ما بعتبة ما قال و لكنه رأى محمدا و أصحابه أكلة جزور، و فيهم ابنه فقد تخوفكم عليه، ثم بعث إلى عامر بن الحضرميّ. فقال: هذا حليفك يريد أن يرجع الناس، و قد رأيت ثأوك بعينك فقم فأنشد خفرتك و مقتل أخيك، فقام عامر بن الحضرميّ فاكتشف ثم صرخ وا عمراه وا عمراه. قال فحميت الحرب و حقب أمر الناس و استوثقوا على ما هم عليه من الشر و أفسد على الناس الرأى الّذي دعاهم اليه عتبة. فلما بلغ عتبة قول أبى جهل انتفخ و اللَّه سحره قال: سيعلم مصفر استه من انتفخ سحره أنا أم هو، ثم التمس عتبة بيضة ليدخلها في رأسه فما وجد في الجيش بيضة تسعه من عظم رأسه فلما رأى ذلك اعتجر على رأسه ببرد له.
و قد روى ابن جرير من طريق مسور بن عبد الملك اليربوعي عن أبيه عن سعيد بن المسيب قال: بينا نحن عند مروان بن الحكم إذ دخل حاجبه فقال: حكيم بن حزام يستأذن، قال ائذن له فلما دخل قال: مرحبا يا أبا خالد أدن، فحال عن صدر المجلس حتى جلس بينه و بى الوسادة ثم استقبله فقال: حدثنا حديث بدر. فقال: خرجنا حتى إذا كنا بالجحفة رجعت قبيلة من قبائل قريش بأسرها فلم يشهد أحد من مشركيهم بدرا، ثم خرجنا حتى نزلنا العدوة التي قال اللَّه تعالى، فجئت عتبة بن ربيعة فقلت يا أبا الوليد هل لك في أن تذهب بشرف هذا اليوم ما بقيت؟ قال أفعل ما ذا؟ قلت إنكم لا تطلبون من محمد إلا دم ابن الحضرميّ و هو حليفك، فتحمل بديته (يرجع
[١] في ابن هشام بالشين المعجمة.
[٢] في الحلبية مهملة من النقط، و في سيرة ابن هشام يهبئها و معنى يهنئها يتفقدها و يصلحها.