البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٦ - غزوة بدر العظمى* يوم الفرقان يوم التقى الجمعان
ضرب في لبة بعيره ثم أرسله في العسكر فما بقي خباء من أخبية العسكر إلا أصابه نضح من دمه فبلغت أبا جهل لعنه اللَّه فقال هذا أيضا نبي آخر من بنى المطلب سيعلم غدا من المقتول إن نحن التقينا.
قال ابن إسحاق: و لما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز عيره أرسل إلى قريش انكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم و رجالكم و أموالكم فقد نجاها اللَّه فارجعوا، فقال أبو جهل بن هشام: و اللَّه لا نرجع حتى نرد بدرا و كان بدر موسما من مواسم العرب يجتمع لهم به سوق كل عام فنقيم عليه ثلاثا فننحر الجزور و نطعم الطعام و نسقي الخمر و تعزف علينا القيان و تسمع بنا العرب و بمسيرنا و جمعنا فلا يزالون يهابوننا أبدا فامضوا. و قال الأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي- و كان حليفا لبني زهرة- و هم بالجحفة: يا بنى زهرة قد نجى اللَّه لكم أموالكم، و خلص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل، و إنما نفرتم لتمنعوه و ما له فاجعلوا بى جبنها و ارجعوا فإنه لا حاجة لكم بان تخرجوا في غير ضيعة لا ما يقول هذا. قال فرجعوا فلم يشهدها زهري واحد، أطاعوه و كان فيهم مطاعا و لم يكن بقي بطن من قريش إلا و قد نفر منهم ناس إلا بنى عدي لم يخرج منهم رجل واحد، فرجعت بنو زهرة مع الأخنس فلم يشهد بدرا من هاتين القبيلتين أحد. قال: و مضى القوم و كان بين طالب بن أبى طالب- و كان في القوم- و بين بعض قريش محاورة. فقالوا: و اللَّه لقد عرفنا يا بنى هاشم- و إن خرجتم معنا- أن هواكم مع محمد، فرجع طالب إلى مكة مع من رجع. و قال في ذلك:
لاهمّ إما يغزونّ طالب* * * في عصبة محالف محارب
في مقنب من هذه المقانب* * * فليكن المسلوب غير السالب
و ليكن المغلوب غير الغالب
قال ابن إسحاق: و مضت قريش حتى نزلوا بالعدوة القصوى من الوادي خلف العقنقل و بطن الوادي و هو يليل، بين بدر و بين العقنقل الكثيب الّذي خلفه قريش، و القليب ببدر في العدوة الدنيا من بطن يليل إلى المدينة.
قلت: و في هذا قال تعالى إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَ هُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَ الرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ أي من ناحية الساحل وَ لَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَ لكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا الآيات. و بعث اللَّه السماء و كان الوادي دهسا فأصاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أصحابه منها ماء لبد لهم الأرض و لم يمنعهم من السير، و أصاب قريشا منها ماء لم يقدروا على أن يرتحلوا معه.
قلت و في هذا قوله تعالى وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَ لِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَ يُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ فذكر أنه طهرهم ظاهرا و باطنا، و أنه ثبت أقدامهم و شجع قلوبهم و أذهب عنهم تخذيل الشيطان و تخويفه للنفوس و وسوسته الخواطر، و هذا تثبيت الباطن