البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢ - فصل في ذكر أول من أسلم، ثم ذكر متقدمي الإسلام من الصحابة و غيرهم
المؤمنين كانوا إذا ذاك يستسرون بإسلامهم لا يطلع على أمرهم كثير أحد من قراباتهم دع الأجانب دع أهل البادية من الاعراب و اللَّه أعلم. و في صحيح البخاري من طريق أبى أسامة عن هاشم بن هاشم عن سعيد بن المسيب قال سمعت سعد بن أبى وقاص يقول: ما أسلم أحد في اليوم الّذي أسلمت فيه، و لقد مكثت سبعة أيام و إني لثلث الإسلام. أما قوله ما أسلم أحد في اليوم الّذي أسلمت فيه فسهل، و يروى إلا في اليوم الّذي أسلمت فيه و هو مشكل، إذ يقتضي أنه لم يسبقه أحد بالإسلام. و قد علم أن الصديق و عليا و خديجة و زيد بن حارثة أسلموا قبله، كما قد حكى الإجماع على تقدم إسلام هؤلاء غير واحد، منهم ابن الأثير. و نص أبو حنيفة رضى اللَّه عنه على أن كلا من هؤلاء أسلم قبل أبناء جنسه و اللَّه أعلم. و أما قوله و لقد مكثت سبعة أيام و إني لثلث الإسلام فمشكل و ما أدرى على ما ذا يوضع عليه إلا أن يكون أخبر بحسب ما علمه و اللَّه اعلم. و
قال أبو داود الطيالسي حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عن عبد اللَّه- و هو ابن مسعود- قال: كنت غلاما يافعا أرعى غنما لعقبة بن أبى معيط بمكة. فأتى عليّ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و ابو بكر- و قد فرا من المشركين- فقال- أو فقالا- عندك يا غلام لبن تسقينا؟ قلت إني مؤتمن، و لست بساقيكما فقال هل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل بعد؟ قلت نعم! فأتيتهما بها فاعتقلها أبو بكر و أخذ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الضرع و دعا فحفل الضرع، و أتاه أبو بكر بصخرة متقعرة فحلب فيها ثم شرب هو و أبو بكر ثم سقياني ثم قال للضرع اقلص فقلص، فلما كان بعد أتيت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقلت علمني من هذا القول الطيب- يعنى القرآن- فقال: «إنك غلام معلم» فأخذت من فيه سبعين سورة ما ينازعني فيها أحد.
و هكذا رواه الامام أحمد عن عفان عن حماد بن سلمة به. و رواه الحسن بن عرفة عن أبى بكر بن عياش عن عاصم بن أبى النجودبه.
و قال البيهقي أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ حدثنا أبو عبد اللَّه بن بطة الأصبهاني حدثنا الحسن بن الجهم حدثنا الحسين بن الفرج حدثنا محمد بن عمر حدثني جعفر ابن محمد بن خالد بن الزبير عن أبيه- أو عن محمد بن عبد اللَّه بن عمرو بن عثمان-. قال: كان إسلام خالد بن سعيد بن العاص قديما و كان أول اخوته أسلم. و كان بدء إسلامه أنه رأى في المنام أنه وقف به على شفير النار، فذكر من سعتها ما اللَّه أعلم به. و يرى في النوم كأن آت أتاه يدفعه فيها و يرى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) آخذا بحقويه لا يقع، ففزع من نومه فقال احلف باللَّه ان هذه لرؤيا حق، فلقى ابا بكر بن ابى قحافة فذكر ذلك له، فقال أريد بك خير هذا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فاتبعه فإنك ستتبعه و تدخل معه في الإسلام، و الإسلام يحجزك ان تدخل فيها و أبوك واقع فيها فلقى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو باجياد، فقال يا رسول اللَّه يا محمد إلى ما تدعو؟ قال: «أدعوك إلى اللَّه وحده لا شريك له و أن محمدا عبده و رسوله، و تخلع ما أنت عليه من عبادة حجر لا يسمع، و لا يضر، و لا يبصر، و لا ينفع، و لا