البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٩ - غزوة بدر العظمى* يوم الفرقان يوم التقى الجمعان
فلما رجع إلى أهله قال يا أم صفوان أ لم ترى ما قال لي سعد؟ قالت و ما قال لك قال زعم أن محمدا أخبرهم أنهم قاتلي، فقلت له بمكة. قال: لا أدرى. فقال أمية و اللَّه لا أخرج من مكة فلما كان يوم بدر. استنفر أبو جهل الناس فقال أدركوا عيركم، فكره أمية أن يخرج فأتاه أبو جهل فقال يا أبا صفوان إنك متى يراك الناس قد تخلفت و أنت سيد أهل الوادي تخلفوا معك، فلم يزل به أبو جهل حتى قال أما إذ عبتنى فو اللَّه لاشترين أجود بعير بمكة، ثم قال أمية يا أم صفوان جهزينى فقالت له يا أبا صفوان و قد نسيت ما قال لك أخوك اليثربي قال لا و ما أريد أن أجوز معهم إلا قريبا، فلما خرج أمية أخذ لا ينزل منزلا الا عقل بعيره فلم يزل كذلك حتى قتله اللَّه ببدر. و قد رواه البخاري في موضع آخر عن محمد بن إسحاق عن عبيد اللَّه بن موسى عن إسرائيل عن أبى إسحاق به نحوه، تفرد به البخاري. و قد رواه الامام احمد عن خلف بن الوليد و عن أبى سعيد كلاهما عن إسرائيل و في رواية إسرائيل قالت له امرأته: و اللَّه إن محمدا لا يكذب.
قال ابن إسحاق: و لما فرغوا من جهازهم و أجمعوا المسير ذكروا ما كانوا بينهم و بين بنى بكر ابن عبد مناة بن كنانة من الحرب. فقالوا إنا نخشى أن يأتونا من خلفنا و كانت الحرب التي كانت بين قريش و بين بنى بكر في ابن لحفص بن الاخيف من بنى عامر بن لؤيّ قتله رجل من بنى بكر بإشارة عامر بن يزيد بن عامر بن الملوح، ثم أخذ بثأره أخوه مكرز بن حفص فقتل عامرا و خاض بسيفه في بطنه ثم جاء من الليل فعلقه بأستار الكعبة فخافوهم بسبب ذلك الّذي وقع بينهم.
قال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير قال لما أجمعت قريش المسير ذكرت الّذي كان بينها و بين بنى بكر فكاد ذلك أن يثنيهم، فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة ابن مالك بن جعشم المدلجي و كان من أشراف بنى كنانة. فقال: أنا لكم جار من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه، فخرجوا سراعا. قلت: و هذا معنى قوله تعالى وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَ رِئاءَ النَّاسِ وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ، وَ إِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَ قالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَ إِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَ اللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ غرهم لعنه اللَّه حتى ساروا و سار معهم منزلة منزلة و معه جنوده و راياته كما قاله غير واحد منهم، فأسلمهم لمصارعهم.
فلما رأى الجد و الملائكة تنزل للنصر و عاين جبريل نكص على عقبيه و قال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف اللَّه. و هذا كقوله تعالى كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ و قد قال اللَّه تعالى وَ قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً فإبليس لعنه اللَّه لما عاين الملائكة يومئذ تنزل للنصر فر ذاهبا فكان أول من