البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٦ - فصل في سبب هجرة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بنفسه الكريمة
و أمية بن خلف و من كان منهم و غيرهم ممن لا يعد من قريش، فقال بعضهم لبعض: إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم و إننا و اللَّه ما نأمنه على الوثوب علينا بمن قد اتبعه من غيرنا، فاجمعوا فيه رأيا، قال فتشاوروا ثم قال قائل منهم- قيل إنه أبو البختري بن هشام- احبسوه في الحديد و أغلقوا عليه بابا ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله زهيرا و النابغة و من مضى منهم من هذا الموت حتى يصيبه ما أصابهم. فقال الشيخ النجدي: لا و اللَّه ما هذا لكم برأي و اللَّه لئن حبستموه كما تقولون ليخرجن أمره من وراء الباب هذا الّذي أغلقتم دونه الى أصحابه، فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه من أيديكم ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا لكم برأي. فتشاوروا ثم قال قائل منهم: نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا فإذا خرج عنا فو اللَّه ما نبالى أين ذهب و لا حيث وقع، إذا غاب عنا و فرغنا منه فأصلحنا أمرنا و ألفتنا كما كانت. قال الشيخ النجدي: لا و اللَّه ما هذا لكم برأي أ لم تروا حسن حديثه و حلاوة منطقه و غلبته على قلوب الرجال بما يأتى به؟ و اللَّه لو فعلتم ذلك ما أمنت أن يحل على حي من العرب فيغلب عليهم بذلك من قوله و حديثه حتى يتابعوه عليه، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم بهم فيأخذ أمركم من أيديكم، ثم يفعل بكم ما أراد، أديروا فيه رأيا غير هذا. فقال أبو جهل بن هشام: و اللَّه إن لي فيه رأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد. قالوا و ما هو يا أبا الحكم؟ قال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابا جليدا نسيبا وسيطا فينا ثم نعطي كل فتى منهم سيفا صارما، ثم يعمدوا اليه فيضربوه بها ضربة رجل واحد فيقتلوه فنستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعها، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا. فرضوا منا بالعقل فعقلناه لهم، قال يقول الشيخ النجدي: القول ما قال الرجل هذا الرأى و لا رأى غيره فتفوق القوم على ذلك و هم مجمعون له. فأتى جبرائيل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال له: لا تبت هذه الليلة على فراشك الّذي كنت تبيت عليه. قال فلما كانت عتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه حتى ينام فيثبون عليه، فلما رأى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مكانهم قال لعلى بن أبى طالب: «ثم على فراشي و تسج ببردي هذا الحضرميّ الأخضر، فنم فيه فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم» و كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ينام في برده ذلك إذا نام.
و هذه القصة التي ذكرها ابن إسحاق قد رواها الواقدي بأسانيده عن عائشة و ابن عباس و على و سراقة بن مالك بن جعشم و غيرهم دخل حديث بعضهم في بعض فذكر نحو ما تقدم.
قال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن أبى زياد عن محمد بن كعب القرظي. قال: لما اجتمعوا له و فيهم أبو جهل قال- و هم على بابه- إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب و العجم، ثم بعثتم من بعد موتكم، فجعلت لكم جنان كجنان الأردن، و إن لم تفعلوا كان فيكم ذبح