البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨٥ - باب هجرة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بنفسه الكريمة من مكة الى المدينة و معه أبو بكر الصديق رضى اللَّه عنه
ابن جعشم. يقول: جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أبى بكر دية كل واحد منهما لمن قتله أو أسره، فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بنى مدلج إذ أقبل رجل منهم حتى قام علينا و نحن جلوس. فقال: يا سراقة إني رأيت آنفا أسودة بالساحل أراها محمدا و أصحابه. قال سراقة:
فعرفت أنهم هم فقلت له إنهم ليسوا بهم، و لكنك رأيت فلانا و فلانا انطلقوا بأعيننا، ثم لبثت في المجلس ساعة ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي و هي من وراء أكمة فتحبسها على، و أخذت رمحي فخرجت من ظهر البيت فخططت يزجه الأرض و خفضت عاليه، حتى أتيت فرسي فركبتها فدفعتها ففرت بى حتى دنوت منهم، فعثرت بى فرسي فخررت عنها فقمت فأهويت يدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام فاستقسمت بها أضرهم أم لا، فخرج الّذي أكره، فركبت فرسي و عصبت لازلام فجعل فرسي يقرب بى حتى إذا سمعت قراءة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو لا يلتفت و أبو بكر يكثر الالتفات ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها فأهويت، ثم زجرتها فنهضت، فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها غبار ساطع في السماء مثل الدخان، فاستقسمت الأزلام فخرج الّذي أكره، فناديتهم بالأمان فوقفوا فركبت فرسي حتى جئتهم و وقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، و أخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، و عرضت عليهم الزاد و المتاع. فلم يردانى و لم يسألانى إلا أن قالا أخف عنا. فسألته أن يكتب لي كتاب أمن فأمر عامر ابن فهيرة فكتب لي رقعة من أدم. ثم مضى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم).
و قد روى محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبد الرحمن بن مالك بن جعشم عن أبيه عن عمه سراقة فذكر هذه القصة، إلا أنه ذكر أنه استقسم بالأزلام أول ما خرج من منزله فخرج السهم الّذي يكره لا يضره، و ذكر أنه عثر به فرسه أربع مرات، و كل ذلك يستقسم بالأزلام و يخرج الّذي يكره لا يضره. حتى ناداهم بالأمان. و سأل أن يكتب له كتابا يكون أمارة ما بينه و بين رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، قال فكتب لي كتابا في عظم- أو رقعة أو خرقة- و
ذكر أنه جاء به الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو بالجعرانة مرجعه من الطائف، فقال له «يوم وفاء و بر، أدنه» فدنوت منه و أسلمت.
قال ابن هشام: هو عبد الرحمن بن الحارث بن مالك بن جعشم [١] و هذا الّذي قاله جيد.
و لما رجع سراقة جعل لا يلقى أحدا من الطلب الا رده و قال: كفيتم هذا الوجه، فلما ظهر أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قد وصل الى المدينة. جعل سراقة يقص على الناس ما رأى و ما شاهد من أمر النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و ما كان من قضية جواده، و اشتهر هذا عنه. فخاف رؤساء قريش معرته، و خشوا أن يكون ذلك سببا
[١] كذا في الأصل و في سيرة ابن هشام، و في الخلاصة عبد الرحمن بن مالك بن جعشم.