البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٥ - فصل
ثم قد اختلف العلماء في أن الاسراء و المعراج هل كانا في ليلة واحدة أو كل في ليلة على حدة؟
فمنهم من يزعم أن الاسراء في اليقظة، و المعراج في المنام. و قد حكى المهلب بن أبى صفرة في شرحه البخاري عن طائفة أنهم ذهبوا إلى أن الاسراء مرتين، مرة بروحه مناما، و مرة ببدنه و روحه يقظة و قد حكاه الحافظ أبو القاسم السهيليّ عن شيخه أبى بكر بن العربيّ الفقيه. قال السهيليّ: و هذا القول يجمع الأحاديث فان في حديث شريك عن أنس و ذلك فيما يرى قلبه و تنام عيناه و لا ينام قلبه، و قال في آخره: ثم استيقظت فإذا أنا في الحجر و هذا منام. و دل غيره على اليقظة، و منهم عن يدعى تعدد الاسراء في اليقظة أيضا حتى قال بعضهم: إنها أربع اسراءات، و زعم بعضهم أن بعضها كان بالمدينة و قد حاول الشيخ شهاب الدين أبو شامة (رحمه اللَّه) أن يوفق بين اختلاف ما وقع في روايات حديث الاسراء بالجمع المتعدد فجعل ثلاث اسراءات، مرة من مكة إلى البيت المقدس فقط على البراق، و مرة من مكة الى السماء على البراق أيضا لحديث حذيفة، و مرة من مكة الى بيت المقدس ثم الى السموات.
فنقول: ان كان انما حمله على القول بهذه الثلاث اختلاف الروايات فقد اختلف لفظ الحديث في ذلك على أكثر من هذه الثلاث صفات و من أراد الوقوف على ذلك فلينظر فيما جمعناه مستقصيا في كتابنا التفسير عند قوله تعالى سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا و ان كان انما حمله أن التقسيم انحصر في ثلاث صفات بالنسبة الى بيت المقدس و الى السموات فلا يلزم من الحصر العقلي و الوقوع كذلك في الخارج الا بدليل و اللَّه أعلم. و العجب أن الامام أبا عبد اللَّه البخاري (رحمه اللَّه) ذكر الاسراء بعد ذكره موت أبى طالب فوافق ابن إسحاق في ذكره المعراج في أواخر الأمر، و خالفه في ذكره بعد موت أبى طالب، و ابن إسحاق أخر ذكر موت أبى طالب على الاسراء، فاللَّه أعلم أي ذلك كان. و المقصود أن البخاري فرق بين الاسراء و بين المعراج فبوب لكل واحد منهما بابا على حدة فقال: باب حديث الاسراء و قول اللَّه سبحانه و تعالى سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا
حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن قال سمعت جابر بن عبد اللَّه أنه سمع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول: «لما كذبتني قريش كنت في الحجر فجلى اللَّه لي بيت المقدس فطفقت أحدثهم عن آياته و أنا انظر اليه». و قد رواه مسلم و الترمذي و النسائي من حديث الزهري عن أبى سلمة عن جابر به. و رواه مسلم و النسائي و الترمذي من حديث عبد اللَّه بن الفضل عن أبى سلمة عن أبى هريرة عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بنحوه.
ثم قال البخاري باب حديث المعراج:
حدثنا هدبة بن خالد حدثنا همام حدثنا قتادة عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حدثهم عن ليلة أسرى به. قال: «بينما أنا في الحطيم- و ربما قال في الحجر- مضجعا