البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٥٣ - باب بدء إسلام الأنصار رضى اللَّه عنهم
له مصعب: أو تقعد فتسمع فان رضيت أمرا رغبت فيه قبلته و إن كرهته عزلنا عنك ما تكره؟
قال سعد: أنصفت، ثم ركز الحربة و جلس فعرض عليه الإسلام و قرأ عليه القرآن. و ذكر موسى بن عقبة أنه قرأ عليه أول الزخرف. قال فعرفنا و اللَّه في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم في اشراقه و تسهله ثم قال لهما: كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم و دخلتم في هذا الدين؟ قالا تغتسل فتطهر و تطهر ثوبيك ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلى ركعتين. قال فقام فاغتسل و طهر ثوبيه و شهد شهادة الحق، ثم ركع ركعتين، ثم أخذ حربته فاقبل عائدا إلى نادى قومه و معه أسيد بن الحضير، فلما رآه قومه مقبلا قالوا: نحلف باللَّه لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الّذي ذهب به من عندكم، فلما وقف عليهم قال:
يا بنى عبد الأشهل كيف تعلمون أمرى فيكم؟ قالوا سيدنا و أفضلنا رأيا و أيمننا نقيبة، قال فان كلام رجالكم و نسائكم على حرام حتى تؤمنوا باللَّه و رسوله، قال فو اللَّه ما أمسى في دار بنى عبد الأشهل رجل و لا امرأة إلا مسلما أو مسلمة، و رجع سعد و مصعب إلى منزل أسعد بن زرارة فأقاما عنده يدعوان الناس إلى الإسلام حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا و فيها رجال و نساء مسلمون، إلا ما كان من دار بنى أمية بن زيد، و خطمة، و وائل، و واقف، و تلك أوس و هم من الأوس بن حارثة و ذلك أنهم كان فيهم أبو قيس بن الاسلت و اسمه صيفي. و قال الزبير بن بكار: اسمه الحارث، و قيل عبيد اللَّه و اسم أبيه الاسلت عامر بن جشم بن وائل بن زيد بن قيس بن عامر بن مرة بن مالك بن الأوس.
و كذا نسبه الكلبي أيضا. و كان شاعرا لهم قائدا يستمعون منه و يطيعونه، فوقف بهم عن الإسلام حتى كان بعد الخندق.
قلت: و أبو قيس بن الاسلت هذا ذكر له ابن إسحاق أشعارا بائية حسنة تقرب من أشعار أمية بن الصلت الثقفي.
قال ابن إسحاق فيما تقدم: و لما انتشر أمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في العرب و بلغ البلدان ذكر بالمدينة و لم يكن حي من العرب أعلم بأمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حين ذكر، و قبل أن يذكر من هذا الحي من الأوس و الخزرج، و ذلك لما كان يسمعون من أحبار يهود. فلما وقع أمره بالمدينة و تحدثوا بما بين قريش فيه من الاختلاف قال أبو قيس بن الاسلت أخو بنى واقف. قال السهيليّ: هو أبو قيس صرمة بن أبى أنس و اسم أبى أنس قيس بن صرمة بن مالك بن عدي بن عمرو بن غنم بن عدي ابن النجار، قال و هو الّذي أنزل فيه و في عمر أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ الآية.
قال ابن إسحاق: و كان يحب قريشا، و كان لهم صهرا. كانت تحته أرنب بنت أسد بن عبد العزى ابن قصي و كان يقيم عندهم السنين بامرأته. قال قصيدة يعظم فيها الحرمة و ينهى قريشا فيها عن الحرب و يذكر فضلهم و أحلامهم و يذكرهم بلاء اللَّه عندهم و دفعه عنهم الفيل و كيده و يأمرهم بالكف