البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٨ - غزوة بدر العظمى* يوم الفرقان يوم التقى الجمعان
لأكفينكه، قال فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة و أنا حديد مغضب أرى أنى قد فاتنى منه أمر أحب أن أدركه منه. قال فدخلت المسجد فرأيته فو اللَّه إني لأمشي نحوه أتعرضه ليعود لبعض ما قال فاقع به، و كان رجلا خفيفا حديد الوجه حديد اللسان حديد النظر، قال: إذ خرج نحو باب المسجد يشتد، قال قلت في نفسي ماله لعنه اللَّه أكل هذا فرق منى أن أشاتمه؟! و إذا هو قد سمع ما لم أسمع صوت ضمضم بن عمرو الغفاريّ و هو يصرخ ببطن الوادي واقفا على بعيره قد جدع بعيره و حول رحله و شق قميصه و هو يقول: يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة، أموالكم مع أبى سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث. قال فشغلني عنه و شغله عنى ما جاء من الأمر، فتجهز الناس سراعا و قلوا أ يظن محمد و أصحابه أن تكون كعير ابن الحضرميّ؟ و اللَّه ليعلمن غير ذلك. و ذكر موسى بن عقبة رؤيا عاتكة كنحو من سياق ابن إسحاق. قال فلما جاء ضمضم بن عمرو على تلك الصفة خافوا من رؤيا عاتكة فخرجوا على الصعب و الذلول.
قال ابن إسحاق: فكانوا بين رجلين إما خارج و إما باعث مكانه رجلا، و أوعبت قريش فلم يتخلف من اشرافها أحد الا ان أبا لهب بن عبد المطلب بعث مكانه العاصي بن هشام بن المغيرة استأجره بأربعة آلاف درهم كانت له عليه قد أفلس بها. قال ابن إسحاق: و حدثني ابن أبى نجيح أن أمية بن خلف كان قد أجمع القعود و كان شيخا جليلا جسيما ثقيلا، فأتاه عقبة بن أبى معيط و هو جالس في المسجد بين ظهراني قومه بمجمرة يحملها فيها نار و مجمر حتى وضعها بين يديه ثم قال: يا أبا على استجمر فإنما أنت من النساء قال قبحك اللَّه و قبح ما جئت به، قال ثم تجهز و خرج مع الناس هكذا قال ابن إسحاق في هذه القصة. و قد رواها البخاري على نحو آخر فقال حدثني احمد بن عثمان حدثنا شريح بن مسلمة ثنا إبراهيم بن يوسف عن أبيه عن أبى إسحاق حدثني عمرو بن ميمون أنه سمع عبد اللَّه بن مسعود حدث عن سعد بن معاذ أنه كان صديقا لامية بن خلف و كان أمية إذا مر بالمدينة نزل على سعد بن معاذ و كان سعد إذا مر بمكة نزل على أمية، فلما قدم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) المدينة انطلق سعد بن معاذ معتمرا فنزل على أمية بمكة، قال سعد لامية انظر لي ساعة خلوة لعلى أطوف بالبيت، فخرج به قريبا من نصف النهار فلقيهما أبو جهل، فقال يا صفوان من هذا معك؟ قال هذا سعد. قال له أبو جهل: ألا أراك تطوف بمكة آمنا و قد أويتم الصباة و زعمتم أنكم تنصرونهم و تعينونهم أما و اللَّه لو لا أنك مع أبى صفوان ما رجعت إلى أهلك سالما، فقال له سعد- و رفع صوته عليه- أما و اللَّه لئن منعتني هذا لامنعنك ما هو أشد عليك منه طريقك على المدينة.
فقال له أمية لا ترفع صوتك يا سعد على أبى الحكم فإنه سيد أهل الوادي، قال سعد دعنا عنك يا أمية فو اللَّه لقد سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول: «إنهم قاتلوك» قال بمكة؟ قال لا أدرى؟ ففزع لذلك أمية فزعا شديدا