البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤ - ذكر عمره عليه الصلاة و السلام وقت بعثته و تاريخها
أظهر دعواه و أنا حىّ لأبلين اللَّه في طاعة رسوله و حسن مؤازرته للصبر و النصر. فمات ورقة (رحمه اللَّه). قال الزهري فكانت خديجة أول من آمن باللَّه و صدق رسوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم). قال الحافظ البيهقي بعد إيراده ما ذكرناه و الّذي ذكر فيه من شق بطنه يحتمل أن يكون حكاية منه لما صنع به في صباه يعنى شق بطنه عند حليمة و يحتمل أن يكون شق مرة أخرى ثم ثالثة حين عرج به إلى السماء و اللَّه أعلم.
و قد [١] ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة ورقة باسناده إلى سليمان بن طرخان التيمي. قال:
بلغنا أن اللَّه تعالى بعث محمدا رسولا على رأس خمسين سنة من بناء الكعبة و كان أول شيء اختصه به من النبوة و الكرامة رؤيا كان يراها فقص ذلك على زوجته خديجة بنت خويلد فقالت له: ابشر فو اللَّه لا يفعل اللَّه بك إلا خيرا فبينما هو ذات يوم في حراء و كان يفر اليه من قومه إذ نزل عليه جبريل فدنا منه فخافه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مخافة شديدة فوضع جبريل يده على صدره و من خلفه بين كتفيه. فقال: اللَّهمّ احطط وزره، و اشرح صدره، و طهر قلبه، يا محمد ابشر! فإنك نبي هذه الأمة.
اقرأ فقال له نبي اللَّه: و هو خائف يرعد- ما قرأت كتابا قط و لا أحسنه و ما أكتب و ما أقرأ فأخذه جبريل فغته غتا شديدا ثم تركه ثم قال له اقرأ فأعاد عليه مثله فأجلسه على بساط كهيئة الدرنوك فرأى فيه من صفائه و حسنه كهيئة اللؤلؤ و الياقوت و قال له: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ الآيات ثم قال له لا تخف يا محمد إنك رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو خائف فأتاه جبريل من امامه و هو في صعرته فرأى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أمرا عظيما ملأ صدره فقال له جبريل لا تخف يا محمد جبريل رسول اللَّه جبريل رسول اللَّه الى أنبيائه و رسله فأيقن بكرامة اللَّه فإنك رسول اللَّه فرجع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لا يمر على شجر و لا حجر الا هو ساجد يقول السلام عليك يا رسول اللَّه. فاطمأنت نفسه و عرف كرامة اللَّه إياه فلما انتهى إلى زوجته خديجة أبصرت ما بوجهه من تغير لونه فأفزعها ذلك، فقامت اليه فلما دنت منه جعلت تمسح عن وجهه و تقول لعلك لبعض ما كنت ترى و تسمع قبل اليوم فقال يا خديجة أ رأيت الّذي كنت أرى في المنام و الصوت الّذي كنت اسمع في اليقظة و أهال منه فإنه جبريل قد استعلن لي و كلمني و اقرأنى كلاما فزعت منه ثم عاد الى فأخبرني انى نبي هذه الأمة فأقبلت راجعا فأقبلت على شجر و حجارة فقلن السلام عليك يا رسول اللَّه. فقالت خديجة: ابشر فو اللَّه لقد كنت اعلم ان اللَّه لن يفعل بك الا خيرا و اشهد انك نبي هذه الأمة الّذي تنتظره اليهود قد أخبرني به ناصح غلامي و بحيرى الراهب و أمرني ان أتزوجك منذ أكثر من عشرين سنة. فلم تزل برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى طعم و شرب و ضحك ثم خرجت إلى الراهب و كان قريبا من مكة فلما دنت منه و عرفها.
[١] من هنا الى و قال البيهقي حدثنا أبو عبد اللَّه الحافظ ساقط من النسخة المصرية.