البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١ - فصل في ذكر أول من أسلم، ثم ذكر متقدمي الإسلام من الصحابة و غيرهم
فادعها إلى اللَّه و ادع اللَّه لها عسى اللَّه أن يستنقذها بك من النار. قال فدعا لها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و دعاها إلى اللَّه فأسلمت، و أقاموا مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في الدار شهرا و هم تسعة و ثلاثون رجلا، و قد كان حمزة بن عبد المطلب أسلم يوم ضرب أبو بكر، و دعا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لعمر بن الخطاب- أو لأبى جهل بن هشام-
فأصبح عمر و كانت الدعوة يوم الأربعاء فأسلم عمر يوم الخميس، فكبر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أهل البيت تكبيرة سمعت بأعلى مكة، و خرج أبو الأرقم- و هو أعمى كافر- و هو يقول:
اللَّهمّ اغفر لبني عبيد الأرقم فإنه كفر، فقام عمر فقال يا رسول اللَّه على ما نخفي ديننا و نحن على الحق و يظهر دينهم و هم على الباطل؟ قال: «يا عمر إنا قليل قد رأيت ما لقينا» فقال عمر: فو الّذي بعثك بالحق لا يبقى مجلس جلست فيه بالكفر إلا أظهرت فيه الايمان، ثم خرج فطاف بالبيت، ثم مر بقريش و هي تنتظره،
فقال أبو جهل بن هشام: يزعم فلان أنك صبوت؟ فقال عمر: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له و أن محمدا عبده و رسوله. فوثب المشركون اليه، و وثب على عتبة فبرك عليه و جعل يضربه، و أدخل إصبعه في عينيه، فجعل عتبة يصيح فتنحى الناس فقام عمر، فجعل لا يدنو منه أحد إلا أخذ بشريف ممن دنا منه، حتى أعجز الناس. و اتبع المجالس التي كان يجالس فيها فيظهر الايمان، ثم انصرف إلى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو ظاهر عليهم. قال ما عليك بابي و أمى و اللَّه ما بقي مجلس كنت أجلس فيه بالكفر الا أظهرت فيه الايمان غير هائب و لا خائف، فخرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و خرج عمر أمامه و حمزة بن عبد المطلب حتى طاف بالبيت و صلّى الظهر مؤمنا، ثم انصرف الى دار الأرقم و معه عمر، ثم انصرف عمر وحده، ثم انصرف النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم). و الصحيح أن عمر إنما أسلم بعد خروج المهاجرين إلى أرض الحبشة و ذلك في السنة السادسة من البعثة كما سيأتي في موضعه إن شاء اللَّه. و قد استقصينا كيفية إسلام أبى بكر و عمر رضى اللَّه عنهما في كتاب سيرتهما على انفرادها، و بسطنا القول هنالك و للَّه الحمد. و
ثبت في صحيح مسلم من حديث أبى أمامة عن عمرو ابن عبسة السلمي رضى اللَّه عنه قال: أتيت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في أول ما بعث و هو بمكة، و هو حينئذ مستخفى، فقلت ما أنت؟ قال أنا نبي، فقلت و ما النبي؟ قال رسول اللَّه، قلت اللَّه أرسلك؟ قال نعم قلت بما أرسلك؟ قال بان تعبد اللَّه وحده لا شريك له و تكسر الأصنام، و توصل الأرحام. قال قلت نعم ما أرسلك به فمن تبعك على هذا؟ قال حر و عبد- يعنى أبا بكر و بلالا- قال فكان عمرو يقول: لقد رأيتني و أنا ربع الإسلام. قال فأسلمت، قلت فاتبعك يا رسول اللَّه، قال لا و لكن الحق بقومك، فإذا أخبرت أنى قد خرجت فاتبعنى.
و يقال إن معنى قوله (عليه السلام) حر و عبد اسم جنس و تفسير ذلك بابي بكر و بلال فقط فيه نظر، فإنه قد كان جماعة قد أسلموا قبل عمرو بن عبسة و قد كان زيد بن حارثة أسلم قبل بلال أيضا فلعله أخبر أنه ربع الإسلام بحسب علمه فان