البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٢١ - فصل فيما أصاب المهاجرين من حمى المدينة رضى اللَّه عنهم أجمعين و قد سلّم الرسول منها بحول اللَّه و قوته و دعا ربه فأزاحها اللَّه عن مدينته
حجارة مرضومة [١] و سقوفها كلها من جريد. و قد حكى عن الحسن البصري ما تقدم. قال و كانت حجره من شعر مربوطة بخشب من عرعر. قال و في تاريخ البخاري أن بابه (عليه السلام) كان يقرع بالأظافير، فدل على أنه لم يكن لأبوابه حلق. قال و قد أضيفت الحجر كلها بعد موت أزواج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى المسجد. قال الواقدي و ابن جرير و غيرهما: و لما رجع عبد اللَّه بن أريقط الدئلي إلى مكة بعث معه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أبو بكر زيد بن حارثة و أبا رافع موليا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ليأتوا بأهاليهم من مكة و بعثا معهم بحملين و خمسمائة درهم ليشتروا بها إبلا من قديد، فذهبوا فجاءوا ببنتي النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فاطمة و أم كلثوم و زوجتيه سودة و عائشة، و أمها أم رومان و أهل النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و آل أبى بكر صحبة عبد اللَّه بن أبى بكر و قد شرد بعائشة و أمها أم رومان الجمل في أثناء الطريق فجعلت أم رومان تقول: وا عروساه، وا بنتاه قالت عائشة: فسمعت قائلا يقول أرسلى خطامه، فأرسلت خطامه فوقف بأذن اللَّه و سلمنا اللَّه عز و جل. فتقدموا فنزلوا بالسنح، ثم دخل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بعائشة في شوال بعد ثمانية أشهر كما سيأتي، و قدمت معهم أسماء بنت أبى بكر امرأة الزبير بن العوام و هي حامل متم بعبد اللَّه بن الزبير كما سيأتي بيانه في موضعه من آخر هذه السنة.
فصل فيما أصاب المهاجرين من حمى المدينة رضى اللَّه عنهم أجمعين و قد سلّم الرسول منها بحول اللَّه و قوته و دعا ربه فأزاحها اللَّه عن مدينته
قال البخاري: حدثنا عبد اللَّه بن وهب بن يوسف ثنا مالك بن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت: لما قدم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) المدينة و عك أبو بكر و بلال، قالت فدخلت عليهما فقلت يا ابه كيف تجدك؟ و يا بلال كيف تجدك؟ قالت و كان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:
كل امرئ مصبح في أهله* * * و الموت أدنى من شراك نعله
و كان بلال إذا أقلع عنه الحمى يرفع عقيرته و يقول:
ألا ليت شعرى هل أبيتن ليلة* * * بواد و حولي اذخر و جليل [٢]
و هل أردن يوما مياه مجنة* * * و هل يبدون لي شامة و طفيل
قالت عائشة: فجئت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأخبرته فقال «اللَّهمّ حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد و صححها و بارك لنا في صاعها و مدها، و انقل حماها فاجعلها بالجحفة» و رواه مسلم عن أبى بكر
[١] مرضومة: أي مصفوفة بعضها فوق بعض، و الرضام من الجبل دون الهضاب.
[٢] الجليل: الثمام إذا عظم و جل، و هو نبت ضعيف قصير لا يطول.