البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٧ - غزوة بدر العظمى* يوم الفرقان يوم التقى الجمعان
سفيان حين دنا من الحجاز يتجسس [١] من لقي من الركبان تخوفا على أموال [٢] الناس حتى أصاب خبرا من بعض الركبان أن محمدا قد استنفر أصحابه لك و لعيرك فحذر عند ذلك فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاريّ فبعثه إلى مكة و أمره أن يأتى قريشا فيستنفرهم إلى أموالهم و يخبرهم أن محمدا قد عرض لها في أصحابه، فخرج ضمضم بن عمرو سريعا إلى مكة. قال ابن إسحاق: فحدثني من لا أتهم عن عكرمة عن ابن عباس و يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير. قالا: و قد رأت عاتكة بنت عبد المطلب قبل قدوم ضمضم إلى مكة بثلاث ليال رؤيا افزعتها فبعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب فقالت له يا أخى و اللَّه لقد رأيت الليلة رؤيا أفظعتنى و تخوفت أن يدخل على قومك منها شر و مصيبة فأكتم على ما أحدثك، قال لها و ما رأيت؟ قالت رأيت راكبا أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح ثم صرخ بأعلى صوته ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث، فأرى الناس اجتمعوا اليه ثم دخل المسجد و الناس يتبعونه فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة ثم صرخ بمثلها.
ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث ثم مثل به بعيره على رأس أبى قبيس فصرخ بمثلها ثم أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوى حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت فما بقي بيت من بيوت مكة و لا دار إلا دخلتها منها فلقة. قال العباس: و اللَّه إن هذه لرؤيا و أنت فاكتميها لا تذكيرها لأحد، ثم خرج العباس فلقى الوليد بن عتبة- و كان له صديقا- فذكرها له و استكتمه إياها فذكرها الوليد لابنه عتبة ففشا الحديث حتى تحدثت به قريش، قال العباس فغدوت لأطوف بالبيت و أبو جهل ابن هشام في رهط من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة، فلما رآني أبو جهل قال يا أبا الفضل إذا فرغت من طوافك فاقبل إلينا، فلما فرغت أقبلت حتى جلست معهم فقال أبو جهل: يا بنى عبد المطلب متى حدثت فيكم هذه النبية؟ قال قلت و ما ذاك؟ قال تلك الرؤيا التي رأت عاتكة قال قلت و ما رأت؟ قال يا بنى عبد المطلب أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم!! قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال انفروا في ثلاث فسنتربص بكم هذه الثلاث فان يك حقا ما تقول فسيكون، و إن تمض الثلاث و لم يكن من ذلك شيء نكتب عليكم كتابا أنكم أكذب أهل بيت في العرب، قال العباس فو اللَّه ما كان منى اليه كبير شيء إلا أنى جحدت ذلك و أنكرت أن تكون رأت شيئا، قال ثم تفرقنا فلما أمسيت لم تبق امرأة من بنى عبد المطلب إلا أتتنى فقالت أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم، ثم قد تناول النساء و أنت تسمع، ثم لم يكن عندك غيرة لشيء مما سمعت؟ قال قلت قد و اللَّه فعلت ما كان منى اليه من كبير، و ايم اللَّه لأتعرضن له فإذا عاد
[١] في الأصلين: يتجسس بالجيم، و في ابن هشام يتحسس بالحاء المهملة و شرحهما السهيليّ فقال: يتسمع.
[٢] كذا في الحلبية و في المصرية على أمر الناس، و في ابن هشام عن أمر الناس.