البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤٢ - باب أمر اللَّه رسوله عليه الصلاة و السلام بإبلاغ الرسالة
فيما يحامى به عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أصحابه رضى اللَّه عنهم،
قال يونس بن بكير عن طلحة بن يحيى عن عبد اللَّه بن موسى بن طلحة أخبرنى عقيل بن أبى طالب. قال جاءت قريش الى أبى طالب فقالوا: إن ابن أخيك هذا قد آذانا في نادينا و مسجدنا فانهه عنا. فقال يا عقيل انطلق فأتنى بمحمد، فانطلقت اليه فاستخرجته من كنس- أو قال خنس- يقول بيت صغير، فجاء به في الظهيرة في شدة الحر، فلما أتاهم قال إن بنى عمك هؤلاء زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم و مسجدهم، فانته عن أذاهم فحلق رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ببصره إلى السماء. فقال: «ترون هذه الشمس؟» قالوا نعم! قال:
«فما أنا بأقدر أن أدع ذلك منكم على أن تشتعلوا منه بشعلة». فقال أبو طالب: و اللَّه ما كذب ابن أخى قط فارجعوا. رواه البخاري في التاريخ عن محمد بن العلاء عن يونس بن بكير. و رواه البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن احمد بن عبد الجبار عنه به- و هذا لفظه-.
ثم روى البيهقي من طريق يونس عن ابن إسحاق حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدث. أن قريشا حين قالت لأبى طالب هذه المقالة بعث إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). فقال له: يا ابن أخى إن قومك قد جاءوني و قالوا كذا و كذا، فابق عليّ و على نفسك و لا تحملني من الأمر ما لا أطيق أنا و لا أنت. فاكفف عن قومك ما يكرهون من قولك. فظن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن قد بدا لعمه فيه، و انه خاذله و مسلمه، و ضعف عن القيام معه. فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «يا عم لو وضعت الشمس في يميني و القمر في يسارى ما تركت هذا الأمر حتى يظهره اللَّه أو أهلك في طلبه» ثم استعبر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فبكى، فلما ولى قال له حين رأى ما بلغ الأمر برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): يا ابن أخى فاقبل عليه، فقال أمض على أمرك و افعل ما أحببت، فو اللَّه لا أسلمك لشيء أبدا.
قال ابن إسحاق ثم قال أبو طالب في ذلك:
و اللَّه لن يصلوا إليك بجمعهم* * * حتى أوسد في التراب دفينا
فامضى لأمرك ما عليك غضاضة* * * أبشر و قر بذاك منك عيونا
و دعوتني و علمت أنك ناصحي* * * فلقد صدقت و كنت قدم أمينا
و عرضت دينا قد عرفت بأنه* * * من خير أديان البرية دينا
لو لا الملامة أو حذاري سبة* * * لوجدتني سمحا بذاك مبينا
ثم قال البيهقي و ذكر ابن إسحاق لأبى طالب في ذلك أشعارا، و في ذلك دلالة على أنّ اللَّه تعالى عصمه بعمه مع خلافه إياه في دينه، و قد كان يعصمه حيث لا يكون عمه بما شاء لا معقب لحكمه.
و قال يونس بن بكير: حدثني محمد بن إسحاق حدثني رجل من أهل مصر قديما منذ بضعا و أربعين سنة عن عكرمة عن ابن عباس في قصة طويلة جرت بين مشركي مكة و بين رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فلما قام رسول اللَّه قال أبو جهل بن هشام: يا معشر قريش إن محمدا قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا،