البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٣ - فصل في تحويل القبلة في سنة ثنتين من الهجرة قبل وقعة بدر
سمع زهيرا عن أبى إسحاق عن البراء أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) صلّى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا- أو سبعة عشر شهرا- و كان يعجبه أن تكون قبلته إلى البيت، و أنه صلّى أول صلاة صلاها إلى الكعبة العصر و صلّى معه قوم فخرج رجل ممن كان معه فمر على أهل مسجد و هم راكعون فقال: أشهد باللَّه لقد صليت مع النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قبل مكة فداروا كما هم قبل البيت، و كان الّذي مات على القبلة قبل أن تحول رجال قتلوا لم ندر ما نقول فيهم فانزل اللَّه وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ رواه مسلم من وجه آخر. و قال ابن أبى حاتم حدثنا أبو زرعة حدثنا الحسن بن عطية حدثنا إسرائيل عن أبى إسحاق عن البراء. قال: كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قد صلّى نحو بيت المقدس ستة عشر- أو سبعة عشر- شهرا، و كان يحب أن يوجه نحو الكعبة فانزل اللَّه قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ. قال فوجه نحو الكعبة و قال السفهاء من الناس- و هم اليهود- ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها. فانزل اللَّه قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ و حاصل الأمر أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كان يصلى بمكة إلى بيت المقدس و الكعبة بين يديه كما رواه الامام احمد عن ابن عباس رضى اللَّه عنه، فلما هاجر إلى المدينة لم يمكنه أن يجمع بينهما فصلى إلى بيت المقدس أول مقدمه المدينة و استدبر الكعبة ستة عشر شهرا- أو سبعة عشر شهرا- و هذا يقتضي أن يكون ذلك إلى رجب من السنة الثانية و اللَّه أعلم. و كان (عليه السلام) يحب أن يصرف قبلته نحو الكعبة قبلة إبراهيم و كان يكثر الدعاء و التضرع و الابتهال إلى اللَّه عز و جل فكان مما يرفع يديه و طرفه إلى السماء سائلا ذلك فانزل اللَّه عز و جل قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ الآية. فلما نزل الأمر بتحويل القبلة خطب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) المسلمين و أعلمهم بذلك كما رواه النسائي عن أبى سعيد بن المعلى و أن ذلك كان وقت الظهر. و قال بعض الناس نزل تحويلها بين الصلاتين قاله مجاهد و غيره و يؤيد ذلك ما ثبت في الصحيحين عن البراء أن أول صلاة صلاها (عليه السلام) إلى الكعبة بالمدينة العصر و العجب أن أهل قباء لم يبلغهم خبر ذلك إلى صلاة الصبح من اليوم الثاني كما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر. قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: إن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قد أنزل عليه الليلة قرآن و قد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها و كانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة، و في صحيح مسلم عن أنس بن مالك نحو ذلك. و المقصود أنه لما نزل تحويل القبلة إلى الكعبة و نسخ به اللَّه تعالى حكم الصلاة إلى بيت المقدس طعن طاعنون من السفهاء و الجهلة و الأغبياء قالوا ما و لا هم عن قبلتهم التي كانوا عليها هذا و الكفرة من أهل الكتاب يعلمون أن ذلك من اللَّه لما يجدونه من صفة محمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في كتبهم من أن المدينة مهاجره و أنه سيؤمر