البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٣٥ - فصل
به منهم إذا صلّى، فكان إذا طرحوا شيئا من ذلك يحمله على عود ثم يقف به على بابه ثم يقول:
يا بنى عبد مناف أي جوار هذا؟ ثم يلقيه في الطريق.
قلت: و عندي أن غالب ما روى مما تقدم من طرحهم سلا الجزور بين كتفيه و هو يصلى كما رواه ابن مسعود و فيه أن فاطمة جاءت فطرحته عنه و أقبلت عليهم فشتمتهم، ثم لما انصرف رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) دعا على سبعة منهم كما تقدم. و كذلك ما أخبر به عبد اللَّه بن عمرو بن العاص من خنقهم له (عليه السلام) خنقا شديدا حتى حال دونه أبو بكر الصديق قائلا أ تقتلون رجلا أن يقول ربى اللَّه.
و كذلك عزم أبى جهل- لعنه اللَّه- على أن يطأ على عنقه و هو يصلى فحيل بينه و بين ذلك، و ما أشبه ذلك كان بعد وفاة أبى طالب و اللَّه أعلم. فذكرها هاهنا أنسب و أشبه.
فصل
في ذهابه (عليه السلام) إلى أهل الطائف يدعوهم إلى اللَّه تعالى و إلى نصرة دينه فردوا عليه ذلك و لم يقبلوا فرجع عنهم إلى مكة قال ابن إسحاق: فلما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من الأذى ما لم تكن نالته منه في حياة عمه أبى طالب، فخرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى الطائف يلتمس من ثقيف النصرة و المنعة بهم من قومه، و رجا أن يقبلوا منه ما جاءهم به من اللَّه تعالى، فخرج اليهم وحده. فحدثني يزيد بن أبى زياد عن محمد بن كعب القرظي. قال: انتهى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى الطائف و عمد إلى نفر من ثقيف هم سادة ثقيف و أشرافهم و هم إخوة ثلاثة، عبد ياليل، و مسعود، و حبيب بنو عمرو ابن عمير بن عوف بن عقدة بن غيرة بن عوف بن ثقيف. و عند أحدهم امرأة من قريش من بنى جمح، فجلس اليهم فدعاهم إلى اللَّه و كلمهم لما جاءهم له من نصرته على الإسلام و القيام معه على من خالفه من قومه، فقال أحدهم: هو يمرط ثياب الكعبة إن كان اللَّه أرسلك. و قال الآخر: أما وجد اللَّه أحدا أرسله غيرك؟ و قال الثالث و اللَّه لا أكلمك أبدا لئن كنت رسولا من اللَّه كما تقول لانت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام و لئن كنت تكذب على اللَّه ما ينبغي لي أن أكلمك.
فقام رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من عندهم و قد يئس من خير ثقيف، و قد قال لهم- فيما ذكر لي- إن فعلتم ما فعلتم فاكتموا على و كره رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن يبلغ قومه عنه فيذئرهم [١] ذلك عليه. فلم يفعلوا و أغروا به سفهاءهم و عبيدهم يسبونه و يصيحون به حتى اجتمع عليه الناس و ألجئوه إلى حائط لعتبة ابن ربيعة و شيبة بن ربيعة و هما فيه، و رجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه. فعمد الى ظل
[١] قال ابن هشام: فيذئرهم يعنى يحرش بينهم، و أورد في ذلك شعرا.