البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٥ - فصل في فريضة شهر رمضان سنة ثنتين قبل وقعة بدر
حكى أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حين قدم المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم عنه فقالوا هذا يوم نجى اللَّه فيه موسى. فقال: «نحن أحق بموسى منكم» فصامه و أمر الناس بصيامه، و هذا الحديث ثابت في الصحيحين عن ابن عباس
و قد قال اللَّه تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَ بَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَ الْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَ مَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ الآية و قد تكلمنا على ذلك في التفسير بما فيه كفاية من إيراد الأحاديث المتعلقة بذلك و الآثار المروية في ذلك و الأحكام المستفادة منه و للَّه الحمد.
و قد قال الامام احمد حدثنا أبو النضر حدثنا المسعودي حدثنا عمرو بن مرة عن عبد الرحمن ابن أبى ليلى عن معاذ بن جبل. قال: احيلت الصلاة ثلاثة أحوال، و أحيل الصيام ثلاثة أحوال فذكر أحوال الصلاة. قال و أما أحوال الصيام فان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قدم المدينة فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، و صام عاشوراء ثم إن اللَّه فرض عام الصيام و أنزل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ إلى قوله وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فكان من شاء صام و من شاء أطعم مسكينا فاجزأ ذلك عنه، ثم إن اللَّه أنزل الآية الأخرى شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ إلى قوله فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ فاثبت صيامه على المقيم الصحيح و رخص فيه للمريض و المسافر و أثبت الإطعام للكبير الّذي لا يستطيع الصيام فهذان حولان. قال و كانوا يأكلون و يشربون و يأتون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا امتنعوا. ثم
إن رجلا من الأنصار يقال له صرمة كان يعمل صائما حتى أمسى فجاء إلى أهله فصلى العشاء ثم نام فلم يأكل و لم يشرب حتى أصبح فأصبح صائما، فرآه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قد جهد جهدا شديدا فقال: «ما لي أراك قد جهدت جهدا شديدا» فأخبره، قال و كان عمر قد أصاب من النساء بعد ما نام فأتى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فذكر ذلك له فانزل اللَّه أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ إلى قوله ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ. و رواه أبو داود في سننه و الحاكم في مستدركه من حديث المسعودي نحوه
و في الصحيحين من حديث الزهري عن عروة عن عائشة أنها قالت: كان عاشوراء يصام، فلما نزل رمضان كان من شاء صام و من شاء أفطر. و للبخاريّ عن ابن عمرو ابن مسعود مثله. و لتحرير هذا، موضع آخر من التفسير و من الأحكام الكبير و باللَّه المستعان.
قال ابن جرير: و في هذه السنة أمر الناس بزكاة الفطر، و قد قيل إن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خطب