البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧ - ذكر عمره عليه الصلاة و السلام وقت بعثته و تاريخها
و أما
قول جبريل (اقرأ) فقال: «ما أنا بقارئ»
فالصحيح ان قوله «ما أنا بقارئ» نفى أي لست ممن يحسن القراءة. و ممن رجحه النووي و قبله الشيخ أبو شامة. و من قال إنها استفهامية فقوله بعيد لأن الباء لا تزاد في الإثبات. و يؤيد الأول
رواية أبى نعيم من حديث المعتمر بن سليمان عن أبيه: فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)- و هو خائف يرعد- «ما قرأت كتابا قط و لا أحسنه و ما أكتب و ما أقرأ» فأخذه جبريل فغتّه غتا شديدا. ثم تركه فقال: له اقرأ. فقال محمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «ما أرى شيئا أقرأه، و ما أقرأ، و ما أكتب» يروى فغطني كما في الصحيحين و غتنى و يروى قد غتنى أي خنقني «حتى بلغ منى الجهد» يروى بضم الجيم و فتحها و بالنصب و بالرفع. و فعل به ذلك ثلاثا.
قال أبو سليمان الخطابي: و إنما فعل ذلك به ليبلو صبره و يحسن تأديبه فيرتاض لاحتمال ما كلفه به من أعباء النبوة، و لذلك كان يعتريه مثل حال المحموم و تأخذه الرحضاء أي البهر و العرق. و قال غيره: إنما فعل ذلك لأمور: منها أن يستيقظ لعظمة ما يلقى اليه بعد هذا الصنيع المشق على النفوس. كما قال تعالى إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا و لهذا كان عليه الصلاة و السلام إذا جاءه الوحي يحمر وجهه و يغطّ كما يغط البكر من الإبل و يتفصّد جبينه عرقا في اليوم الشديد البرد.
و قوله فرجع بها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى خديجة يرجف فؤاده. و في رواية: بوادره، جمع بادرة قال أبو عبيدة: و هي لحمة بين المنكب و العنق. و قال غيره: هو عروق تضطرب عند الفزع و في بعض الروايات ترجف بآدله واحدتها بادلة. و قيل بادل. و هو ما بين العنق و الترقوة و قيل أصل الثدي.
و قيل لحم الثديين و قيل غير ذلك.
فقال: «زملوني زملوني» فلما ذهب عنه الروع قال لخديجة: «ما لي؟ أي شيء عرض لي؟» و أخبرها ما كان من الأمر. ثم قال: «لقد خشيت على نفسي»
و ذلك لأنه شاهد أمرا لم يعهده قبل ذلك، و لا كان في خلده. و لهذا قالت خديجة: ابشر، كلا و اللَّه لا يخزيك اللَّه أبدا. قيل من الخزي، و قيل من الحزن، و هذا لعلمها بما أجرى اللَّه به جميل العوائد في خلقه أن من كان متصفا بصفات الخير لا يخزي في الدنيا و لا في الآخرة ثم ذكرت له من صفاته الجليلة ما كان من سجاياه الحسنة. فقالت: إنك لتصل الرحم و تصدق الحديث- و قد كان مشهورا بذلك (صلوات اللَّه و سلامه عليه) عند الموافق و المفارق- و تحمل الكلّ. أي عن غيرك تعطى صاحب العيلة ما يريحه من ثقل مؤنة عياله- و تكسب المعدوم أي تسبق إلى فعل الخير فتبادر إلى إعطاء الفقير فتكسب حسنته قبل غيرك. و يسمى الفقير معدوما لأن حياته ناقصة. فوجوده و عدمه سواء كما قال بعضهم:
ليس من مات فاستراح بميت* * * إنما الميت ميّت الأحياء