البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤٠ - باب أمر اللَّه رسوله عليه الصلاة و السلام بإبلاغ الرسالة
رواه البيهقي من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق عن شيخ أبهم اسمه عن عبد اللَّه بن الحارث به. و قد رواه أبو جعفر بن جرير عن محمد بن حميد الرازيّ عن سلمة بن الفضل الأبرش عن محمد بن إسحاق عن عبد الغفار أبو مريم بن القاسم عن المنهال بن عمرو عن عبد اللَّه بن الحارث عن ابن عباس عن على فذكر مثله. و زاد بعد قوله: «و إني قد جثتكم بخير الدنيا و الآخرة، و قد أمرنى اللَّه أن أدعوكم اليه، فأيكم يؤازرنى على هذا الأمر على أن يكون أخى» و كذا و كذا. قال فأحجم القوم عنها جميعا، و قلت و لأني لأحدثهم سنا و أرمصهم عينا، و أعظمهم بطنا، و أخمشهم ساقا، أنا يا نبي اللَّه أكون وزيرك عليه فاخذ برقبتي فقال: «إن هذا أخى و كذا و كذا فاسمعوا له و أطيعوا».
قال فقام القوم يضحكون و يقولون لأبي طالب قد أمرك أن تسمع لابنك و تطيع! تفرد به عبد الغفار ابن القاسم أبو مريم و هو كذاب شيعي اتهمه على بن المديني و غيره بوضع الحديث. و ضعفه الباقون.
و لكن
روى ابن أبى حاتم في تفسيره عن أبيه عن الحسين بن عيسى بن ميسرة الحارثي عن عبد اللَّه ابن عبد القدوس عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن عبد اللَّه بن الحارث. قال قال على: لما نزلت هذه الآية وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ. قال لي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): اصنع لي رجل شاة بصاع من طعام، و إناء لبنا، و أدع لي بنى هاشم فدعوتهم و إنهم يومئذ لاربعون غير رجل، أو أربعون و رجل فذكر القصة نحو ما تقدم إلى أن قال: و بدرهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الكلام. فقال: «أيكم يقضى عنى ديني و يكون خليفتي في أهلي؟» قال فسكتوا و سكت العباس خشية أن يحيط ذلك بماله، قال و سكت أنا لسن العباس. ثم قالها مرة أخرى فسكت العباس، فلما رأيت ذلك قلت: أنا يا رسول اللَّه، قال أنت؟ قال و إني يومئذ لاسوأهم هيئة، و إني لاعمش العينين، ضخم البطن، خمش الساقين.
و هذه الطريق فيها شاهد لما تقدم إلا أنه لم يذكر ابن عباس فيها فاللَّه أعلم. و قد روى الامام احمد في مسندة من حديث عباد بن عبد اللَّه الأسدي و ربيعة بن ناجذ عن على نحو ما تقدم- أو كالشاهد له- و اللَّه أعلم. و معنى قوله في هذا
الحديث: من يقضى عنى ديني و يكون خليفتي في أهلي
يعنى إذا مت، و كأنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خشي إذا قام بإبلاغ الرسالة إلى مشركي العرب [١] أن يقتلوه، فاستوثق من يقوم بعده بما يصلح أهله، و يقضى عنه، و قد أمنه اللَّه من ذلك في قوله تعالى يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ الآية و المقصود أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) استمر يدعو إلى اللَّه تعالى ليلا و نهارا، و سرا و جهارا، لا يصرفه عن ذلك صارف و لا يرده عن ذلك راد، و لا يصده عنه ذلك صاد، يتبع الناس في أنديتهم، و مجامعهم و محافلهم و في المواسم، و مواقف الحج. يدعو من لقيه من حر و عبد و ضعيف و قوى، و غنى و فقير،
[١] في المصرية: بإبلاغ مشركي العرب رسالة اللَّه.