البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٧ - غزوة بدر العظمى* يوم الفرقان يوم التقى الجمعان
و الظاهر و أنزل النصر عليهم من فوقهم في قوله إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ أي على الرءوس وَ اضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ أي لئلا يستمسك منهم السلاح ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ مَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ، ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَ أَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ.
قال ابن جرير: حدثني هارون بن إسحاق ثنا مصعب بن المقدام ثنا إسرائيل ثنا أبو إسحاق عن حارثة عن على بن أبى طالب. قال: أصابنا من الليل طش من المطر- يعنى الليلة التي كانت في صبيحتها وقعة بدر- فانطلقنا تحت الشجر و الحجف نستظل تحتها من المطر، و بات رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)- يعنى قائما يصلى- و حرض على القتال.
و قال الامام احمد حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة عن أبى إسحاق عن حارثة بن مضرب عن على. قال: ما كان فينا فارس يوم بدر إلا المقداد، و لقد رأيتنا و ما فينا إلا نائم إلا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) تحت شجرة يصلى و يبكى حتى أصبح، و سيأتي هذا الحديث مطولا. و رواه النسائي عن بندار عن غندر عن شعبة به.
و قال مجاهد: أنزل عليهم المطر فاطفأ به الغبار و تلبدت به الأرض و طابت به أنفسهم و ثبتت به أقدامهم.
قلت: و كانت ليلة بدر ليلة الجمعة السابعة عشر من شهر رمضان سنة ثنتين من الهجرة، و قد
بات رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) تلك الليلة يصلى إلى جذم شجرة هناك، و يكثر في سجوده أن يقول «يا حي يا قيوم» يكرر ذلك و يلظ به (عليه السلام).
قال ابن إسحاق: فخرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يبادرهم إلى الماء حتى جاء أدنى ماء من بدر نزل به
قال ابن إسحاق: فحدثت عن رجال من بنى سلمة أنهم ذكروا أن الحباب بن منذر بن الجموح. قال يا رسول اللَّه أ رأيت هذا المنزل أ منزلا أنزلكه اللَّه ليس لنا أن نتقدمه و لا نتأخر عنه، أم هو الرأى و الحرب و المكيدة؟ قال بل هو الرأى و الحرب و المكيدة. قال يا رسول اللَّه فان هذا ليس بمنزل فأمض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله ثم نغور ما وراءه من القلب، ثم نبنى عليه حوضا فنملؤه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب و لا يشربون. فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «لقد أشرت بالرأي».
قال الأموي حدثنا أبى قال و زعم الكلبي عن أبى صالح عن ابن عباس. قال بينا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يجمع الأقباص [١] و جبريل عن يمينه إذ أتاه ملك من الملائكة فقال يا محمد ان اللَّه يقرأ عليك السلام فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «هو السلام و منه السلام و اليه السلام» فقال الملك إن اللَّه يقول لك ان الأمر [هو] الّذي أمرك به الحباب بن المنذر. فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يا جبريل هل تعرف هذا؟ فقال ما كل أهل السماء أعرف و انه لصادق و ما هو بشيطان فنهض رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و من معه من الناس
[١] الأقباص: كذا في الأصلين و لم نعثر على هذا النص في غيرهما. و يمكن أن يكون من القبص أي العدد الكثير كما أضبطناه.