البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٨ - غزوة بدر العظمى* يوم الفرقان يوم التقى الجمعان
فسار حتى أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه ثم أمر بالقلب فعورت، و بنى حوضا على القليب الّذي نزل عليه فملئ ماء ثم قذفوا فيه الآنية.
و ذكر بعضهم أن الحباب بن المنذر لما أشار بما أشار به على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نزل ملك من السماء و جبريل عند النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال الملك يا محمد ربك يقرأ عليك السلام و يقول لك ان الرأى ما أشار به الحباب، فنظر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الى جبريل فقال ليس كل الملائكة أعرفهم و أنه ملك و ليس بشيطان.
و ذكر الأموي أنهم نزلوا على القليب الّذي يلي المشركين نصف الليل و أنهم نزلوا فيه و استقوا منه و ملئوا الحياض حتى أصبحت ملاء و ليس للمشركين ماء.
قال ابن إسحاق: فحدثني عبد اللَّه بن أبى بكر انه حدث ان سعد بن معاذ. قال: يا نبي اللَّه ألا نبنى لك عريشا تكون فيه و نعد عندك ركائبك ثم نلقى عدونا فان أعزنا اللَّه و أظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا، و ان كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا فقد تخلف عنك أقوام ما نحن باشد حبالك منهم، و لو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك، يمنعك اللَّه بهم ينصاحونك و يجاهدون معك. فاثنى عليه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خيرا و دعا له بخير، ثم بنى لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عريش كان فيه.
قال ابن إسحاق: و قد ارتحلت قريش حين أصبحت فأقبلت، فلما رآها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) تصوب من العقنقل و هو الكثيب الّذي جاءوا منه إلى الوادي. قال: «اللَّهمّ هذه قريش قد أقبلت بخيلائها و فخرها تحادك و تكذب رسولك اللَّهمّ فنصرك الّذي وعدتني اللَّهمّ أحنهم [١] الغداة». و قد قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)- و قد رأى عتبة بن ربيعة في القوم و هو على جمل له احمر «إن يكن في أحد من القوم خير فعند صاحب الجمل الأحمر» إن يطيعوه يرشدوا قال: و قد كان خفاف بن ايماء بن رحضة أو أبوه ايماء بن رحضة الغفاريّ، بعث إلى قريش ابنا له بجزائر أهداها لهم. و قال: «إن أحببتم أن نمدكم بسلاح و رجال فعلنا» قال فأرسلوا اليه مع ابنه أن وصلتك رحم، و قد قضيت الّذي عليك، فلعمري إن كنا إنما نقاتل الناس ما بنا ضعف عنهم، و إن كنا إنما نقاتل اللَّه كما يزعم محمد فما لأحد باللَّه من طاقة. قال فلما نزل الناس أقبل نفر من قريش حتى و ردوا حوض رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فيهم حكيم بن حزام، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) دعوهم فما شرب منه رجل يومئذ إلا قتل إلا ما كان من حكيم بن حزام فإنه لم يقتل
ثم أسلم بعد ذلك فحسن إسلامه فكان إذا اجتهد في يمينه قال لا و الّذي نجاني يوم بدر.
قلت: و قد كان أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يومئذ ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا كما سيأتي بيان ذلك
[١] أحنهم: أي أهلكهم من الحين و هو الهلاك ذكره الخشنيّ في غريب السيرة.