البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠ - فصل في ذكر أول من أسلم، ثم ذكر متقدمي الإسلام من الصحابة و غيرهم
يا أبا القاسم فقدت من مجالس قومك و اتهموك بالعيب لآبائها و أمهاتها. فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم):
«إني رسول اللَّه أدعوك إلى اللَّه» فلما فرغ كلامه أسلم أبو بكر
فانطلق عنه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و ما بين الاخشبين أحد أكثر سرورا منه بإسلام أبى بكر، و مضى أبو بكر فراح لعثمان بن عفان و طلحة ابن عبيد اللَّه و الزبير بن العوام و سعد بن أبى وقاص فأسلموا، ثم جاء الغد بعثمان بن مظعون و أبى عبيدة بن الجراح و عبد الرحمن بن عوف و أبى سلمة بن عبد الأسد و الأرقم بن أبى الأرقم فأسلموا رضى اللَّه عنهم.
قال عبد اللَّه بن محمد فحدثني أبى محمد بن عمران عن القاسم بن محمد عن عائشة.
قالت: لما اجتمع أصحاب النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و كانوا ثمانية و ثلاثين رجلا ألح أبو بكر على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في الظهور فقال: «يا أبا بكر إنا قليل»
فلم يزل أبو بكر يلح حتى ظهر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و تفرق المسلمون في نواحي المسجد كل رجل في عشيرته، و قام أبو بكر في الناس خطيبا و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) جالس فكان أول خطيب دعا الى اللَّه و إلى رسوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و ثار المشركون على أبى بكر و على المسلمين فضربوا في نواحي المسجد ضربا شديدا و وطئ أبو بكر و ضرب ضربا شديدا و دنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفتين و يحرفهما لوجهه، و نزا على بطن أبى بكر حتى ما يعرف وجهه من أنفه و جاء بنو تيم يتعادون فاجلت المشركين عن أبى بكر و حملت بنو تيم أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه منزله و لا يشكون في موته، ثم رجعت بنو تيم فدخلوا المسجد و قالوا و اللَّه لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة بن ربيعة، فرجعوا إلى أبى بكر فجعل أبو قحافة و بنو تيم يكلمون أبا بكر حتى أجاب، فتكلم آخر النهار فقال: ما فعل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)؟ فمسوا منه بألسنتهم و عذلوه، ثم قاموا و قالوا لامه أم الخير انظري أن تطعميه شيئا أو تسقيه إياه فلما خلت به الحت عليه و جعل يقول: ما فعل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)؟ فقالت و اللَّه ما لي علم بصاحبك، فقال اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه، فخرجت حتى جاءت أم جميل فقالت إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد اللَّه؟ فقالت ما أعرف أبا بكر و لا محمد بن عبد اللَّه و إن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك قالت نعم. فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعا دنفا، فدنت أم جميل و أعلنت بالصياح و قالت و اللَّه إن قوما نالوا هذا منك لأهل فسق و كفر، و إني لأرجو أن ينتقم اللَّه لك منهم. قال فما فعل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)؟ قالت هذه أمك تسمع، قال فلا شيء عليك منها، قالت سالم صالح. قال أين هو؟ قالت في دار ابن الأرقم، قال فان للَّه على أن لا أذوق طعاما و لا أشرب شرابا أو آتى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). فامهلتا حتى إذا هدأت الرجل و سكن الناس، خرجتا به يتكىء عليهما حتى أدخلتاه على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، قال فأكب عليه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقبله و أكب عليه المسلمون، و رق له رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) رقة شديدة. فقال أبو بكر بابي و أمى يا رسول اللَّه ليس بى بأس إلا ما نال الفاسق من وجهي، و هذه أمى برة بولدها، و أنت مبارك