البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤٧ - غزوة بدر الاولى
بنى ضمرة ثم رجع إلى المدينة و لم يلق كيدا. و قد قال البخاري حدثنا عبد اللَّه ثنا وهب ثنا شعبة عن أبى إسحاق. قال: كنت إلى جنب زيد بن أرقم فقيل له كم غزا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من غزوة؟
قال: تسع عشرة. قلت كم غزوت أنت معه؟ قال سبع عشرة غزوة، قلت فأيهن كان أول؟ قال العشير- أو العسير- فذكرت لقتادة فقال: العشير. و هذا الحديث ظاهر في أن أول الغزوات العشيرة، و يقال بالسين و بهما مع حذف التاء، و بهما مع المد اللَّهمّ إلا أن يكون المراد غزاة شهدها مع النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) زيد بن أرقم العشيرة و حينئذ لا ينفى أن يكون قبلها غيرها لم يشهدها زيد بن أرقم و بهذا يحصل الجمع بين ما ذكره محمد بن إسحاق و بين هذا الحديث و اللَّه أعلم.
قال محمد بن إسحاق: و يومئذ قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لعلى ما قال
فحدثني يزيد بن محمد بن خشيم عن محمد بن كعب القرظي حدثني أبو يزيد محمد بن خثيم عن عمار بن ياسر. قال كنت أنا و على بن أبى طالب رفيقين في غزوة العشيرة من بطن ينبع، فلما نزلها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أقام بها شهرا فصالح بها نبي مدلج و حلفاءهم من بنى ضمرة فوادعهم، فقال لي على بن أبى طالب: هل لك يا أبا اليقظان أن نأتي هؤلاء النفر- من بنى مدلج يعملون في عين لهم- ننظر كيف يعملون؟ فأتيناهم فنظرنا اليهم ساعة فغشينا النوم فعمدنا إلى صور من النخل في دقعاء من الأرض فنمنا فيه، فو اللَّه ما أهبنا إلا و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يحركنا بقدمه فجلسنا و قد تتربنا من تلك الدقعاء فيومئذ قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لعلى: «يا أبا تراب» لما عليه من التراب، فأخبرناه بما كان من أمرنا فقال: «ألا أخبركم بأشقى الناس رجلين؟» قلنا بلى يا رسول اللَّه فقال «أحيمر ثمود الّذي عقر الناقة و الّذي يضربك يا على على هذه- و وضع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يده على رأسه- حتى تبل منها هذه- و وضع يده على لحيته-»
و هذا حديث غريب من هذا الوجه له شاهد من وجه آخر في تسمية على أبا تراب كما
في صحيح البخاري أن عليا خرج مغاضبا فاطمة، فجاء المسجد فنام فيه فدخل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فسألها عنه فقالت خرج مغاضبا فجاء إلى المسجد فأيقظه و جعل يمسح التراب عنه و يقول: «قم أبا تراب قم أبا تراب».
غزوة بدر الاولى
قال ابن إسحاق: ثم لم يقم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالمدينة حين رجع من العشيرة إلا ليال قلائل لا تبلغ العشرة حتى أغار كرز بن جابر الفهري على سرح المدينة، فخرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في طلبه حتى بلغ واديا يقال له سفوان من ناحية بدر، و هي غزوة بدر الاولى، وفاته كرز فلم يدركه. و قال الواقدي: و كان لواؤه مع على بن أبى طالب. قال ابن هشام و الواقدي: و كان قد استخلف على المدينة زيد بن حارثة.