البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٨ - باب أمر اللَّه رسوله عليه الصلاة و السلام بإبلاغ الرسالة
باب أمر اللَّه رسوله عليه الصلاة و السلام بإبلاغ الرسالة
إلى الخاص و العام، و أمره له بالصبر و الاحتمال و الاعراض عن الجاهلين المعاندين المكذبين بعد قيام الحجة عليهم، و إرسال الرسول الأعظم اليهم و ذكر ما لقي من الاذية منهم هو و أصحابه رضى اللَّه عنهم قال اللَّه تعالى: وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ، وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ وَ تَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ وَ تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. و قال تعالى: وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ وَ سَوْفَ تُسْئَلُونَ و قال تعالى: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ أي أن الّذي فرض عليك و أوجب عليك بتبليغ القرآن لرادك إلى دار الآخرة و هي المعاد، فيسألك عن ذلك كما قال تعالى: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ و الآيات و الأحاديث في هذا كثيرة جدا. و قد تقصينا الكلام على ذلك في كتابنا التفسير، و بسطنا من القول في ذلك عند قوله تعالى في سورة الشعراء وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ. و أوردنا أحاديث جمة في ذلك، فمن ذلك.
قال الامام أحمد: حدثنا عبد اللَّه ابن نمير عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما أنزل اللَّه وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ أتى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الصفا فصعد عليه ثم نادى: «يا صباحاه» فاجتمع الناس اليه بين رجل يجبئ اليه و بين رجل يبعث رسوله. فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «يا بنى عبد المطلب يا بنى فهر، يا بنى كعب أ رأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني؟» قالوا نعم! قال: «فانى نذير لكم بين يدي عذاب شديد»
فقال أبو لهب- لعنه اللَّه- تبا لك سائر اليوم أما دعوتنا إلا لهذا؟ و أنزل اللَّه عز و جل تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَ تَبَ و أخرجاه من حديث الأعمش به نحوه. و
قال احمد حدثنا معاوية بن عمرو حدثنا زائدة حدثنا عبد المطلب بن عمير عن موسى بن طلحة عن أبى هريرة. قال: لما نزلت هذه الآية وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ دعا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قريشا فعم و خص. فقال: «يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بنى كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بنى هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بنى عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد أنقذى نفسك من النار، فانى و اللَّه لا أملك لكم من اللَّه شيئا إلا أن لكم رحما سأبلها ببلائها» و رواه مسلم من حديث عبد الملك بن عمير، و أخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب و أبى سلمة عن أبى هريرة، و له طرق أخر عن أبى هريرة في مسند أحمد و غيره.
و قال احمد أيضا حدثنا وكيع بن هشام عن أبيه عن عائشة