البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤٠ - فصل
فصل
ثم ذكر ابن إسحاق من أسلم من أحبار اليهود على سبيل التقية فكانوا كفارا في الباطن فاتبعهم بصنف المنافقين و هم من شرهم، سعد بن حنيف، و زيد بن اللصيت، و هو الّذي قال حين ضلت ناقة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يزعم محمد أنه يأتيه خبر السماء و هو لا يدرى أين ناقته؟ فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و اللَّه لا أعلم إلا ما علمني اللَّه، و قد دلني اللَّه عليها فهي في هذا الشعب قد حبستها شجرة بزمامها»
فذهب رجال من المسلمين فوجدوها كذلك. قال و نعمان بن أوفى، و عثمان بن أوفى، و
رافع بن حريملة، و هو الّذي قال فيه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوم مات- فيما بلغنا-: «قد مات اليوم عظيم من عظماء المنافقين»
و رفاعة بن زيد بن التابوت، و هو الّذي هبت الريح الشديدة يوم موته عند مرجع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من تبوك فقال: «إنها هبت لموت عظيم من عظماء الكفار»
فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة قد مات في ذلك اليوم و سلسلة بن برهام و كنانة بن صوريا. فهؤلاء ممن أسلم من منافقي اليهود قال فكان هؤلاء المنافقون يحضرون المسجد و يسمعون أحاديث المسلمين و يسخرون و يستهزءون بدينهم، فاجتمع في المسجد يوما منهم أناس فرآهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يتحدثون بينهم خافضى أصواتهم قد لصق بعضهم إلى بعض، فأمر بهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأخرجوا من المسجد إخراجا عنيفا، فقام أبو أيوب إلى عمرو ابن قيس أحد بنى النجار- و كان صاحب آلهتهم في الجاهلية- فاخذ برجله فسحبه حتى أخرجه و هو يقول- لعنه اللَّه- أ تخرجين يا أبا أيوب من مربد بنى ثعلبة؟ ثم أقبل أبو أيوب إلى رافع بن وديعة النجاري فلببه بردائه، ثم نتره نترا شديدا [١] و لطم وجهه فأخرجه من المسجد و هو يقول: أف لك منافقا خبيثا. و قام عمارة بن حزم إلى زيد بن عمرو- و كان طويل اللحية- فاخذ بلحيته و قاده بها قودا عنيفا حتى أخرجه من المسجد، ثم جمع عمارة يديه جميعا فلدمه بهما لدمة [٢] في صدره خر منها قال يقول: خدشتنى يا عمارة، فقال عمارة: أبعدك اللَّه يا منافق، فما أعد اللَّه لك من العذاب أشد من ذلك فلا تقربن مسجد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و قام أبو محمد مسعود بن أوس بن زيد بن أصرم بن زيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار- و كان بدريا- إلى قيس بن عمرو بن سهل و كان شابا- و ليس في المنافقين شاب سواه- فجعل يدفع في قفاه حتى أخرجه. و قام رجل من بنى خدرة [٣] إلى رجل يقال له الحارث بن عمرو- و كان ذا جمة- فاخذ بجمته فسحبه بها سحبا عنيفا على ما مر به من الأرض حتى أخرجه، فجعل يقول المنافق: قد أغلظت يا أبا الحارث، فقال: إنك أهل لذلك أي عدو اللَّه
[١] النتر: جذب فيه قوة و جفوة عن النهاية.
[٢] أي ضربه و دفعه، و اللدم الضرب ببطن الكف.
[٣] كذا في الأصلين، و في ابن هشام. من بلخدرة.