البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١٢ - فصل في بعث قريش إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فداء اسراهم
اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و بين أبى العاص، و كان لا يقدر على أن يفرق بينهما. قلت: إنما حرم اللَّه المسلمات على المشركين عام الحديبيّة سنة ست من الهجرة كما سيأتي بيانه إن شاء اللَّه تعالى.
قال ابن إسحاق حدثني يحيى بن عباد بن عبد اللَّه بن الزبير عن أبيه عن عائشة قالت لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت زينب بنت رسول اللَّه في فداء أبى العاص بمال، و بعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبى العاص حين بنى عليها قالت فلما رآها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) رق لها رقة شديدة و قال «إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها و تردوا عليها الّذي لها فافعلوا». قالوا نعم! يا رسول اللَّه، فاطلقوه و ردوا عليها الّذي لها.
[قال ابن إسحاق: فكان ممن سمى لنا ممن منّ عليه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من الأسارى بغير فداء من بنى أمية أبو العاص بن الربيع، و من بنى مخزوم المطلب بن حنطب بن الحارث بن عبيد بن عمر بن مخزوم أسره بعض بنى الحارث بن الخزرج فترك في أيديهم حتى خلوا سبيله فلحق بقومه [١]] قال ابن إسحاق: و قد كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قد أخذ عليه أن يخلى سبيل زينب- يعنى أن تهاجر إلى المدينة- فوفى أبو العاص بذلك كما سيأتي. و قد ذكر ذلك ابن إسحاق هاهنا فاخرناه لانه أنسب و اللَّه أعلم. و قد تقدم ذكر افتداء العباس بن عبد المطلب عم النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نفسه و عقيلا و نوفلا ابني أخويه بمائة أوقية من الذهب. و قال ابن هشام كان الّذي أسر أبى العاص أبو أيوب خالد بن زيد. قال ابن إسحاق: و صيفي بن أبى رفاعة بن عائذ بن عبد اللَّه بن عمر بن مخزوم ترك في أيدي أصحابه، فأخذوا عليه ليبعثن لهم بفدائه فخلوا سبيله و لم يف لهم: قال حسان بن ثابت في ذلك:
ما كان صيفىّ ليوفى أمانة* * * قفا ثعلب أعيا ببعض الموارد
قال ابن إسحاق: و أبو عزة عمرو بن عبد اللَّه بن عثمان بن أهيب بن حذافة بن جمع كان محتاجا ذا بنات قال يا رسول اللَّه لقد عرفت مالي من مال و إني لذو حاجة و ذو عيال فامنن على، فمنّ عليه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أخذ عليه أن لا يظاهر عليه أحدا فقال أبو عزة يمدح رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على ذلك:
من مبلغ عنى الرسول محمدا* * * بأنك حق و المليك حميد
و أنت امرؤ تدعو الى الحق و الهدى* * * عليك من اللَّه العظيم شهيد
و أنت امرؤ بؤّئت فينا مباءة* * * لها درجات سهلة و صعود
فإنك من حاربته لمحارب* * * شقي و من سالمته لسعيد
و لكن إذا ذكرت بدرا و أهله* * * تأوب ما بى حسرة و قعود
قلت: ثم
إن أبا عزة هذا نقض ما كان عاهد الرسول عليه، و لعب المشركون بعقله فرجع اليهم
[١] ما بين المربعين مقدم في الحلبية و مؤخر في المصرية