البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣ - باب كيفية بدء الوحي إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و ذكر أول شيء أنزل عليه من القرآن العظيم
فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد. فقال: زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع. فقال لخديجة- و أخبرها الخبر- لقد خشيت على نفسي. فقالت خديجة: كلا و اللَّه لا يخزيك اللَّه أبدا.
إنك لتصل الرحم و تقوى الضيف، و تحمل الكل، و تكسب المعدوم، و تعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة. و كان امرأ قد تنصر في الجاهلية و كان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء اللَّه أن يكتب. و كان شيخا كبيرا قد عمى. فقالت له خديجة: يا ابن عم! اسمع من ابن أخيك فقال له ورقة: يا ابن أخى ما ذا ترى فأخبره رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خبر ما رأى. فقال له ورقة: هذا الناموس الّذي كان ينزل على موسى، ياليتنى فيها جذعا، ليتني أكون حيا، إذ يخرجك قومك. فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «أو مخرجيّ هم؟» فقال: نعم. لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي. و إن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا. ثم لم ينشب ورقة أن توفى و فتر الوحي [١] فترة. حتى حزن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)- فيما بلغنا- حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رءوس شواهق الجبال فكلما أو في بذروة جبل لكي يلقى نفسه تبدّى له جبريل فقال: يا محمد إنك رسول اللَّه حقا فيسكن لذلك جأشه، و تقر نفسه. فيرجع فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا كمثل ذلك. قال فإذا أوفى بذروة جبل تبدي له جبريل فقال له: مثل ذلك
هكذا وقع مطولا في باب التعبير من البخاري
قال ابن شهاب:
و أخبرنى أبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد اللَّه الأنصاري قال- و هو يحدث عن فترة الوحي- فقال في حديثه: «بينا أنا أمشى إذ سمعت صوتا من السماء فرفعت بصرى فإذا الملك الّذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء و الأرض. فرعبت منه. فرجعت فقلت: زملوني، زملوني فأنزل اللَّه يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ، وَ رَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ، وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ فحمى الوحي و تتابع»
ثم قال البخاري تابعه عبد اللَّه بن يوسف، و أبو صالح، يعنى عن الليث، و تابعه هلال بن داود عن الزهري. و قال يونس و معمر:- بوادره. و هذا الحديث قد رواه الامام البخاري (رحمه اللَّه) في كتابه في مواضع منه، و تكلمنا عليه مطولا في أول شرح البخاري في كتاب بدء الوحي استادا و متنا و للَّه الحمد و المنة.
و أخرجه مسلم في صحيحه من حديث الليث به، و من طريق يونس و معمر عن الزهري كما علقه البخاري عنهما، و قد رمزنا في الحواشي على زيادات مسلم و رواياته و للَّه الحمد و انتهى سياقه الى قول ورقة: أنصرك نصرا مؤزرا.
[١] الى هنا رواية البخاري في صحيحه مع اختلاف في بعض الألفاظ لا تغير المعنى اهملنا التعرض اليها لئلا نشوش على المطالع.