البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١٠ - فصل في بعث قريش إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فداء اسراهم
فلا تبكى على بكر و لكن* * * على بدر تقاصرت الجدود
على بدر سراة بنى هصيص* * * و مخزوم و رهط أبى الوليد
و بكّى إن بكيت أبا عقيل* * * و بكى حارثا أسد الأسود
و بكيهم و لا تسمى جميعا* * * و ما لأبي حكيمة من نديد
ألا قد ساد بعدهم رجال* * * و لو لا يوم بدر لم يسودوا
فصل في بعث قريش إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فداء اسراهم
قال ابن إسحاق: و كان في الأسارى أبو وادعة بن ضبيرة السهمي. فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «إن له بمكة ابنا كيسا تاجرا ذا مال و كأنكم به قد جاء في طلب فداء أبيه»
فلما قالت قريش لا تعجلوا بفداء أسراكم لا يأرب عليكم محمد و أصحابه، قال المطلب بن أبى وداعة و هو الّذي كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عنى صدقتم لا تعجلوا، و انسل من الليل و قدم المدينة فاخذ أباه بأربعة آلاف درهم فانطلق به.
قلت: و كان هذا أول أسير فدى ثم بعثت قريش في فداء أسراهم فقدم مكرز بن حفص بن الاخيف في فداء سهيل بن عمرو، و كان الّذي أسره مالك بن الدخشم أخو بنى سالم بن عوف فقال في ذلك:
أسرت سهيلا فلا ابتغى* * * أسيرا به من جميع الأمم
و خندف تعلم أنّ الفتى* * * فتاها سهيل إذا يظلم
ضربت بذي الشفر حتى انثنى* * * و أكرهت نفسي على ذي العلم
قال ابن إسحاق: و كان سهيل رجلا أعلم من شفته السفلى.
قال ابن إسحاق و حدثني محمد بن عمرو بن عطاء أخو بنى عامر بن لؤيّ أن عمر بن الخطاب قال لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): دعني أنزع ثنية سهيل بن عمرو يدلع لسانه فلا يقوم عليك خطيبا في موطن أبدا؟ فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «لا أمثل به فيمثل اللَّه بى و إن كنت نبيا».
قلت: هذا حديث مرسل بل معضل
قال ابن إسحاق: و قد بلغني أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال لعمر في هذا: «إنه عسى أن يقوم مقاما لا تذمه»
قلت: و هذا هو المقام الّذي قامه سهيل بمكة حين مات رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و ارتد من ارتد من العرب، و نجم النفاق بالمدينة و غيرها. فقام بمكة فخطب الناس و ثبتهم على الدين الحنيف كما سيأتي في موضعه.
قال ابن إسحاق: فلما قاولهم فيه مكرز و انتهى إلى رضائهم قالوا هات الّذي لنا قال اجعلوا رجلي مكان رجله و خلوا سبيله حتى يبعث إليكم بفدائه فخلوا سبيل سهيل و حبسوا مكرزا عندهم. و أنشد له ابن إسحاق في ذلك شعرا أنكره ابن هشام فاللَّه أعلم. قال ابن إسحاق: و حدثني عبد اللَّه بن أبى