البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨٣ - باب هجرة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بنفسه الكريمة من مكة الى المدينة و معه أبو بكر الصديق رضى اللَّه عنه
بعض أهل السير أن أبا بكر لما قال ذلك قال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «لو جاءونا من هاهنا لذهبنا من هنا»
فنظر الصديق إلى الغار قد انفرج من الجانب الآخر، و إذا البحر قد اتصل به، و سفينة مشدودة إلى جانبه. و هذا ليس بمنكر من حيث القدرة العظيمة، و لكن لم يرد ذلك باسناد قوى و لا ضعيف، و لسنا نثبت شيئا من تلقاء أنفسنا، و لكن ما صح أو حسن سنده قلنا به و اللَّه أعلم.
و قد قال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا الفضل بن سهل ثنا خلف بن تميم ثنا موسى بن مطير القرشي عن أبيه عن أبى هريرة أن أبا بكر قال لابنه: يا بنى إن حدث في الناس حدث فأت الغار الّذي رأيتني اختبأت فيه أنا و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فكن فيه، فإنه سيأتيك فيه رزقك غدوة و عشية.
ثم قال البزار: لا نعلم يرويه غير خلف بن تميم.
قلت: و موسى بن مطير هذا ضعيف متروك، و كذبه يحيى بن معين فلا يقبل حديثه. و قد ذكر يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق أن الصديق قال في دخولهما الغار، و سيرهما بعد ذلك و ما كان من قصة سراقة كما سيأتي شعرا. فمنه قوله:
قال النبي- و لم أجزع- يوقرنى* * * و نحن في سدف من ظلمة الغار
لا تخش شيئا فان اللَّه ثالثنا* * * و قد توكل لي منه بإظهار
و قد روى أبو نعيم هذه القصيدة من طريق زياد عن محمد بن إسحاق فذكرها مطولة جدا، و ذكر معها قصيدة أخرى و اللَّه أعلم و قد روى ابن لهيعة عن أبى الأسود عن عروة بن الزبير. قال فمكث رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بعد الحج- يعنى الّذي بايع فيه الأنصار- بقية ذي الحجة و المحرم و صفر، ثم إن مشركي قريش أجمعوا أمرهم و مكرهم على أن يقتلوا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، أو يحبسوه، أو يخرجوه فأطلعه اللَّه على ذلك فأنزل عليه وَ إِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا الآية. فأمر عليا فنام على فراشه، و ذهب هو و أبو بكر، فلما أصبحوا ذهبوا في طلبهما في كل وجه يطلبونهما. و هكذا ذكر موسى بن عقبة في مغازيه، و ان خروجه هو و ابو بكر الى الغار كان ليلا. و قد تقدم عن الحسن البصري فيما ذكره ابن هشام التصريح بذلك أيضا و قال البخاري حدثنا يحيى بن بكير ثنا الليث عن عقيل. قال ابن شهاب فأخبرني عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قالت: لم أعقل أبوي قط إلا و هما يدينان الدين، و لم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) طرفي النهار بكرة و عشية، فلما ابتلى المسلمون خرج ابو بكر مهاجرا نحو ارض الحبشة، حتى إذا بلغ برك الغماد [١] لقيه ابن الدغنة و هو سيد القارة، فذكرت ما كان من رده لأبى بكر إلى مكة و جواره له كما قدمناه عند هجرة الحبشة، إلى قوله فقال أبو بكر: فانى أرد عليك جوارك و أرضى بجوار اللَّه. قالت و النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)
[١] برك الغماد، بفتح الباء و كسرها و ضم الغين و كسرها، موضع باليمن و قيل وراء مكة بخمس ليال.