البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٤ - فصل
و صعوده في المعراج و غير ذلك. و لهذا قال فقال: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ و التسبيح إنما يكون عند الآيات العظيمة الخارقة فدل على أنه بالروح و الجسد و العبد عبارة عنهما و أيضا فلو كان مناما لما بادر كفار قريش إلى التكذيب به و الاستبعاد له إذ ليس في ذلك كبير أمر، فدل على أنه أخبرهم بانه أسرى به يقظة لا مناما. و قوله في حديث شريك عن أنس: ثم استيقظت فإذا أنا في الحجر معدود في غلطات شريك أو محمول على أن الانتقال من حال إلى حال يسمى يقظة كما سيأتي في حديث عائشة رضى اللَّه عنها حين ذهب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الطائف فكذبوه، قال فرجعت مهموما فلم استفق إلا بقرن الثعالب، و في حديث أبى أسيد حين جاء بابنه إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ليحنكه فوضعه على فخذ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و اشتغل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالحديث مع الناس فرفع أبو أسيد ابنه، ثم استيقظ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فلم يجد الصبى فسأل عنه فقالوا رفع فسماه المنذر. و هذا الحمل أحسن من التغليط و اللَّه أعلم.
و قد حكى ابن إسحاق فقال حدثني بعض آل أبى بكر عن عائشة أم المؤمنين أنها كانت تقول: ما فقد جسد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و لكن اللَّه أسرى بروجه. قال و حدثني يعقوب بن عتبة: أن معاوية كان إذا سئل عن مسرى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال: كانت رؤيا من اللَّه صادقة.
قال ابن إسحاق: فلم ينكر ذلك من قولهما لقول الحسن إن هذه الآية نزلت في ذلك (و ما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس) و كما قال إبراهيم (عليه السلام) يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ و في الحديث: «تنام عيني و قلبي يقظان».
قال ابن إسحاق: فاللَّه أعلم أي ذلك كان. قد جاءه و عاين فيه ما عاين من أمر اللَّه تعالى على أي حاله كان نائما أو يقظانا كل ذلك حق و صدق.
قلت: و قد توقف ابن إسحاق في ذلك و جوز كلّا من الأمرين من حيث الجملة، و لكن الّذي لا يشك فيه و لا يتمارى أنه كان يقظانا لا محالة لما تقدم و ليس مقتضى كلام عائشة رضى اللَّه عنها أن جسده (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ما فقد و إنما كان الاسراء بروحه أن يكون مناما كما فهمه ابن إسحاق، بل قد يكون وقع الاسراء بروحه حقيقة و هو يقظان لا نائم و ركب البراق و جاء بيت المقدس و صعد السموات و عاين ما عاين حقيقة و يقظة لا مناما. لعل هذا مراد عائشة أم المؤمنين رضى اللَّه عنها، و مراد من تابعها على ذلك. لا ما فهمه ابن إسحاق من أنهم أرادوا بذلك المنام و اللَّه أعلم.
تنبيه: و نحن لا ننكر وقوع منام قبل الاسراء طبق ما وقع بعد ذلك، فإنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، و قد تقدم مثل ذلك في حديث بدء الوحي أنه رأى مثل ما وقع له يقظة مناما قبله ليكون ذلك من باب الإرهاص و التوطئة و التثبت و الإيناس و اللَّه أعلم.