البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٣ - فصل
و الظاهر أن الأنبياء هبطوا معه تكريما له و تعظيما عند رجوعه من الحضرة الإلهية العظيمة كما هي عادة الوافدين لا يجتمعون بأحد قبل الّذي طلبوا اليه، و لهذا كان كلما مر على واحد منهم يقول له جبريل- عند ما يتقدم ذاك السلام عليه- هذا فلان فسلم عليه، فلو كان قد اجتمع بهم قبل صعوده لما احتاج إلى تعرف بهم مرة ثانية. و مما يدل على ذلك أنه قال فلما حانت الصلاة: أممتهم. و لم يحن وقت إذ ذاك إلا صلاة الفجر فتقدمهم إماما بهم عن أمر جبريل فيما يرويه عن ربه عز و جل، فاستفاد بعضهم من هذا أن الامام الأعظم يقدم في الإمامة على رب المنزل حيث كان بيت المقدس محلتهم و دار إقامتهم، ثم خرج منه فركب البراق و عاد إلى مكة فأصبح بها و هو في غاية الثبات و السكينة و الوقار.
و قد عاين في تلك الليلة من الآيات و الأمور التي لو رآها- أو بعضها- غيره لأصبح مندهشا أو طائش العقل، و لكنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أصبح و اجما- أي ساكنا- يخشى إن بدأ فأخبر قومه بما رأى أن يبادروا الى تكذيبه، فتلطف باخبارهم أولا بانه جاء بيت المقدس في تلك الليلة و ذلك أن أبا جهل لعنه اللَّه- رأى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في المسجد الحرام و هو جالس و أجم. فقال له: هل من خبر؟ فقال نعم! فقال: و ما هو؟ فقال انى أسرى بى الليلة الى بيت المقدس. قال الى بيت المقدس؟ قال نعم! قال أ رأيت إن دعوت قومك لك لتخبرهم أ تخبرهم بما أخبرتني به؟ قال نعم! فأراد أبو جهل جمع قريش ليسمعوا منه ذلك و أراد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) جمعهم ليخبرهم ذلك و يبلغهم. فقال أبو جهل: هيا معشر قريش و قد اجتمعوا من أنديتهم فقال أخبر قومك بما أخبرتنى به، فقص عليهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خبر ما رأى و أنه جاء بيت المقدس هذه الليلة و صلّى فيه، فمن بين مصفق و بين مصفر تكذيبا له و استبعادا لخبره و طار الخبر بمكة و جاء الناس الى أبى بكر رضى اللَّه عنه فأخبروه أن محمدا (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول كذا و كذا. فقال: انكم تكذبون عليه فقالوا و اللَّه إنه ليقوله. فقال: ان كان قاله فلقد صدق.
ثم جاء الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و حوله مشركي قريش فسأله عن ذلك فأخبره فاستعلمه عن صفات بيت المقدس ليسمع المشركون و يعلموا صدقه فيما أخبرهم به. و في الصحيح: أن المشركين هم الذين سألوا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عن ذلك. قال: فجعلت أخبرهم عن آياته فالتبس على بعض الشيء، فجلى اللَّه لي بيت المقدس حتى جعلت انظر اليه دون دار عقيل و أنعته لهم. فقال: أما الصفة فقد أصاب.
و ذكر ابن إسحاق ما تقدم من إخباره لهم بمروره بعيرهم و ما كان من شربه مائهم، فأقام اللَّه عليهم الحجة و استنارت لهم المحجة، فآمن من آمن على يقين من ربه و كفر من كفر بعد قيام الحجة عليه. كما قال اللَّه تعالى وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ أي اختبارا لهم و امتحانا.
قال ابن عباس: هي رؤيا عين أريها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هذا مذهب جمهور السلف و الخلف من أن الاسراء كان ببدنه و روحه (صلوات اللَّه و سلامه عليه) كما دل على ذلك ظاهر السياقات من ركوبه