البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٤ - فصل في فريضة شهر رمضان سنة ثنتين قبل وقعة بدر
بالاستقبال إلى الكعبة كما قال وَ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ الآية و قد أجابهم اللَّه تعالى مع هذا كله عن سؤالهم، و نعتهم فقال سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أي هو المالك المتصرف الحاكم الّذي لا معقب لحكمه الّذي يفعل ما يشاء في خلقه و يحكم ما يريد في شرعه و هو الّذي يهدى من يشاء الى صراط مستقيم و يضل من يشاء عن الطريق القويم و له في ذلك الحكمة التي يجب لها الرضا و التسليم ثم قال تعالى وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً أي خيارا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً أي و كما اخترنا لكم أفضل الجهات في صلاتكم و هديناكم إلى قبلة أبيكم إبراهيم والد الأنبياء بعد التي كان يصلى بها موسى فمن قبله من المرسلين كذلك جعلنا كم خيار الأمم و خلاصة العالم و أشرف الطوائف و أكرم التالد و الطارف لتكونوا يوم القيامة شهداء على الناس لا جماعهم عليكم و اشارتهم يومئذ بالفضيلة إليكم كما ثبت في صحيح البخاري عن أبى سعيد مرفوعا من استشهاد نوح بهذه الأمة يوم القيامة و إذا استشهد بهم نوح مع تقدم زمانه فمن بعده بطريق الاولى و الأحرى. ثم قال تعالى مبينا حكمته في حلول نقمته بمن شك و ارتاب بهذه الواقعة، و حلول نعمته على من صدق و تابع هذه الكائنة. فقال: وَ ما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ. قال ابن عباس: إلا لنرى من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، و إن كانت لكبيرة أي و ان كانت هذه الكائنة العظيمة الموقع كبيرة المحل شديدة الأمر إلا على الّذي هدى اللَّه أي فهم مؤمنون بها مصدقون لها لا يشكون و لا يرتابون بل يرضون و يؤمنون و يعملون لانهم عبيد للحاكم العظيم القادر المقتدر الحليم الخبير اللطيف العليم و قوله وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ أي بشرعته استقبال بيت المقدس و الصلاة اليه إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ و الأحاديث و الآثار في هذا كثيرة جدا يطول استقصاؤها و ذلك مبسوط في التفسير و سنزيد ذلك بيانا في كتابنا الأحكام الكبير. و قد
روى الامام احمد حدثنا على بن عاصم حدثنا حصين بن عبد الرحمن عن عمرو بن قيس عن محمد بن الأشعث عن عائشة قالت قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)- يعنى في أهل الكتاب-: «إنهم لم يحسدونا على شيء كما يحسدوننا على يوم الجمعة التي هدانا اللَّه اليها و ضلوا عنها، و على القبلة التي هدانا اللَّه لها و ضلوا، و على قولنا خلف الامام آمين».
فصل في فريضة شهر رمضان سنة ثنتين قبل وقعة بدر
قال ابن جرير: و في هذه السنة فرض صيام شهر رمضان و قد قيل إنه فرض في شعبان منها، ثم