البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٢ - ذكر عمره عليه الصلاة و السلام وقت بعثته و تاريخها
سمعت عبد اللَّه بن الزبير و هو يقول لعبيد بن عمير بن قتادة الليثي حدثنا يا عبيد كيف كان بدو ما ابتدئ به رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من النبوة حين جاءه جبريل قال فقال عبيد و أنا حاضر- يحدث عبد اللَّه ابن الزبير و من عنده من الناس-: كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يجاور في حراء في كل سنة شهرا يتحنث قال و كان ذلك مما يحبب به قريش في الجاهلية و التحنث التبرر فكان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يجاور ذلك الشهر من كل سنة يطعم من جاءه من المساكين فإذا قضى جواره من شهره ذلك كان أول ما يبدأ به إذا انصرف من جواره الكعبة قبل أن يدخل بيته فيطوف بها سبعا أو ما شاء اللَّه من ذلك، ثم يرجع إلى بيته حتى إذا كان الشهر الّذي أراد اللَّه به فيه ما أراد من كرامته من السنة التي بعثه فيها و ذلك الشهر رمضان خرج إلى حراء كما كان يخرج لجواره و معه أهله حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه اللَّه فيها برسالته و رحم العباد به جاءه جبريل بأمر اللَّه تعالى قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «فجاءني و أنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب فقال اقرأ؟ قلت ما اقرأ؟ قال فغتني حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلنى فقال اقرأ قلت ما أقرأ؟ قال فغتني حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلنى، فقال اقرأ قلت ما اقرأ؟ قال فغتني حتى ظننت به الموت ثم أرسلنى. فقال اقرأ قلت ما ذا اقرأ ما أقول ذلك إلا اقتداء منه أن يعود لي بمثل ما صنع بي فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ. قال فقرأتها ثم انتهى و انصرف عنى و هببت من نومي فكأنما كتب في قلبي كتابا. قال فخرجت حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتا من السماء يقول يا محمد أنت رسول اللَّه و أنا جبريل قال فرفعت رأسي إلى السماء فأنظر فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول يا محمد أنت رسول اللَّه و أنا جبريل فوقفت انظر اليه فما أتقدم و ما أتأخر و جعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء فما انظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك فما زلت واقفا ما أتقدم أمامى و ما أرجع ورائي حتى بعثت خديجة رسلها في طلبى فبلغوا مكة و رجعوا اليها و أنا واقف في مكاني ذلك ثم انصرف عنى و انصرفت راجعا إلى أهلي حتى أتيت خديجة فجلست إلى فخذها مضيفا اليها فقالت يا أبا القاسم أين كنت؟ فو اللَّه لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا مكة و رجعوا الى ثم حدثتها بالذي رأيت. فقالت أبشر يا ابن العم و اثبت فو الّذي نفس خديجة بيده انى لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة ثم قامت فجمعت عليها ثيابها ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل فأخبرته بما أخبرها به رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال ورقة: قدوس قدوس و الّذي نفس ورقة بيده لئن كنت صدقتني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الّذي كان يأتى موسى و أنه لنبي هذه الأمة، و قولي له فليثبت. فرجعت خديجة إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأخبرته بقول ورقة فلما قضى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) جواره و انصرف صنع كما كان يصنع، بدأ بالكعبة فطاف بها فلقيه ورقة بن نوفل و هو يطوف