البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧١ - باب هجرة من هاجر من أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، من مكة إلى أرض الحبشة، فرارا بدينهم من الفتنة
قوله: فامر لنا بطعام و كسوة. قال و هذا اسناد صحيح و ظاهره يدل على أن أبا موسى كان بمكة، و أنه خرج مع جعفر بن أبى طالب إلى أرض الحبشة، و الصحيح عن يزيد بن عبد اللَّه بن أبى بردة عن جده أبى بردة عن أبى موسى: أنهم بلغهم مخرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هم باليمن فخرجوا مهاجرين في بضع و خمسين رجلا في سفينة، فألقتهم سفينتهم إلى النجاشي بأرض الحبشة، فوافقوا جعفر بن أبى طالب و أصحابه عندهم، فأمره جعفر بالإقامة، فأقاموا عنده حتى قدموا على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) زمن خيبر. قال و أبو موسى شهد ما جرى بين جعفر و بين النجاشي، فأخبر عنه. قال و لعل الراويّ و هم في قوله:
أمرنا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن ننطلق و اللَّه أعلم.
و هكذا رواه البخاري في باب هجرة الحبشة.
حدثنا محمد بن العلاء حدثنا أبو أسامة حدثنا يزيد بن عبد اللَّه عن أبى بردة عن أبى موسى. قال: بلغنا مخرج النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و نحن باليمن، فركبنا سفينة فالقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبى طالب رضى اللَّه عنه فأقمنا معه حتى قدمنا فوافينا النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حين افتتح خيبر، فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «لكم أنتم أهل السفينة هجرتان» و هكذا رواه مسلم عن أبى كريب و أبى عامر عبد اللَّه بن براد [بن يوسف بن أبى بردة بن أبى موسى] كلاهما عن أبى اسامة به، و روياه في مواضع أخر مطولا
و اللَّه أعلم.
و أما قصة جعفر مع النجاشي فان الحافظ ابن عساكر رواها في ترجمة جعفر بن أبى طالب من تاريخه من رواية نفسه، و من رواية عمرو بن العاص. و على يديهما جرى الحديث، و من رواية ابن مسعود كما تقدم. و أما سلمة كما سيأتي.
فاما رواية جعفر فإنها عزيزة جدا. رواها ابن عساكر عن أبى القاسم السمرقندي عن أبى الحسين بن النقور عن أبى طاهر المخلص عن أبى القاسم البغوي. قال حدثنا أبو عبد الرحمن الجعفي عن عبد اللَّه بن عمر بن أبان حدثنا أسد بن عمرو البجلي عن مجالد بن سعيد عن الشعبي عن عبد اللَّه بن جعفر عن أبيه. قال: بعثت قريش عمرو بن العاص و عمارة بن الوليد بهدية من أبى سفيان إلى النجاشي. فقالوا له- و نحن عنده-: قد صار إليك ناس من سفلتنا و سفهائنا، فادفعهم إلينا، قال لا حتى أسمع كلامهم. قال فبعث إلينا فقال: ما يقول هؤلاء؟ قال قلنا هؤلاء قوم يعبدون الأوثان، و إن اللَّه بعث إلينا رسولا فآمنا به و صدقناه. فقال لهم النجاشي أ عبيدهم لكم؟ قالوا: لا. فقال: فلكم عليهم دين؟ قالوا لا. قال فخلوا سبيلهم. قال فخرجنا من عنده فقال عمرو بن العاص إن هؤلاء يقولون في عيسى غير ما تقول، قال إن لم يقولوا في عيسى مثل قولي لم أدعهم في أرضى ساعة من نهار. فأرسل إلينا فكانت الدعوة الثانية أشد علينا من الاولى، قال ما يقول صاحبكم في عيسى بن مريم؟ قلنا يقول: هو روح اللَّه و كلمته ألقاها إلى عذراء بتول، قال فأرسل فقال ادعوا الى فلان القس، و فلان الراهب. فأتاه ناس منهم فقال: ما تقولون في عيسى بن مريم؟