البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧٣ - باب هجرة من هاجر من أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، من مكة إلى أرض الحبشة، فرارا بدينهم من الفتنة
الملك: إن فتية منا سفهاء فارقوا دين قومهم و لم يدخلوا في دينك و جاءوا بدين مبتدع لا نعرفه، و قد لجئوا إلى بلادك، و قد بعثنا إليك فيهم عشائرهم، آباؤهم و أعمامهم و قومهم لتردهم عليهم، فإنهم أعلا بهم عينا، فإنهم لن يدخلوا في دينك فتمنعهم لذلك. فغضب ثم قال: لا لعمر اللَّه! لا أردهم عليهم حتى أدعوهم، فأكلمهم و انظر ما أمرهم، قوم لجئوا الى بلادي و اختاروا جواري على جوار غيري فان كانوا كما يقولون رددتهم عليهم، و ان كانوا على غير ذلك منعتهم و لم أدخل بينهم و بينهم، و لم أنعم عينا- [و ذكر موسى بن عقبة أن أمراءه أشاروا عليه بان يردهم اليهم. فقال: لا و اللَّه! حتى اسمع كلامهم و اعلم على أي شيء هم عليه؟ فلما دخلوا عليه سلموا و لم يسجدوا له. فقال: أيها الرهط ألا تحدثوني ما لكم لا تحيونى كما يحييني من أتانا من قومكم؟ فأخبروني ما ذا تقولون في عيسى و ما دينكم؟
أنصارى أنتم؟ قالوا: لا. قال أ فيهود أنتم؟ قالوا: لا. قال: فعلى دين قومكم؟ قالوا: لا. قال فما دينكم؟ قالوا الإسلام. قال و ما الإسلام؟ قالوا نعبد اللَّه لا نشرك به شيئا. قال: من جاءكم بهذا؟
قالوا جاءنا به رجل من أنفسنا، قد عرفنا وجهه و نسبه، بعثه اللَّه إلينا كما بعث الرسل الى من قبلنا، فأمرنا بالبر و الصدقة و الوفاء و أداء الأمانة، و نهانا أن نعبد الأوثان و أمرنا بعبادة اللَّه وحده لا شريك له، فصدقناه و عرفنا كلام اللَّه و علمنا أن الّذي جاء به من عند اللَّه، فلما فعلنا ذلك عادانا قومنا و عادوا النبي الصادق و كذبوه و أرادوا قتله، و أرادونا على عبادة الأوثان، ففررنا إليك بديننا و دمائنا من قومنا. قال: و اللَّه إن هذا لمن المشكاة التي خرج منها أمر موسى. قال جعفر: و أما التحية فان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أخبرنا أن تحية أهل الجنة السلام، و أمرنا بذلك فحييناك بالذي يحيى بعضنا بعضا. و اما عيسى ابن مريم فعبد اللَّه و رسوله و كلمته ألقاها الى مريم و روح منه و ابن العذراء البتول. فاخذ عودا و قال: و اللَّه ما زاد ابن مريم على هذا وزن هذا العود. فقال عظماء الحبشة: و اللَّه لئن سمعت الحبشة لتخلعنك. فقال: و اللَّه لا أقول في عيسى غير هذا أبدا، و ما أطاع اللَّه الناس في حين رد على ملكي فأطع الناس في دين اللَّه. معاذ اللَّه من ذلك. و قال يونس عن ابن إسحاق [١]] فأرسل اليهم النجاشي فجمعهم و لم يكن شيء أبغض لعمرو بن العاص و عبد اللَّه بن أبى ربيعة من أن يسمع كلامهم، فلما جاءهم رسول النجاشي اجتمع القوم فقالوا ما ذا تقولون؟ فقالوا و ما ذا نقول، نقول و اللَّه ما نعرف، و ما نحن عليه من أمر ديننا، و ما جاء به نبينا (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كائن من ذلك ما كان، فلما دخلوا عليه كان الّذي يكلمه منهم جعفر بن أبى طالب رضى اللَّه عنه. فقال له النجاشي: ما هذا الدين الّذي أنتم عليه؟ فارقتم دين قومكم و لم تدخلوا في يهودية، و لا نصرانية. فقال له جعفر: أيها الملك كنا قوما على الشرك نعبد الأوثان و نأكل الميتة و نسيء الجوار، يستحل المحارم بعضنا من
[١] ما بين المربعين زيادة من النسخة المصرية.