تحريرات في الأصول - الخميني، السيد مصطفى - الصفحة ٢٥ - الوجوه المستند إليها لتقريب الاشتغال
نفسيّ على كلّ تقدير، فلا بدّ من العلم بالفراغ، و هو لا يحصل إلّا بالزائد و إن قلنا: إنّه واجب ملوّن بلون آخر غير النفسيّة، فالعلم الإجماليّ لا ينحلّ، فيلزم الأكثر فتدبر.
لا يقال: لا مجرى للقاعدة المشار إليها في مورد الشكّ في الفراغ المسبّب عن الشكّ في الاشتغال؛ ضرورة أنّه بعد درك العقل في الرتبة السابقة عدم الاشتغال، فالشكّ الناشئ عنه ليس مجرى القاعدة.
لأنّا نقول: هذا ما في كلام العلّامة الأراكيّ (رحمه اللَّه) [١] إلّا أنّه يندفع: بأنّ الأمر كذلك بالنسبة إلى البراءة الشرعيّة دون العقليّة؛ ضرورة أنّ شأن العقل درك عدم الاستحقاق من ناحية ترك الأكثر، و يدرك الاستحقاق عند ترك الأقلّ، فإذا كان يدرك عدم تحقّق الأقلّ إلّا بالأكثر في صورة وجوب الأكثر، فيدرك لزوم الأكثر، فالفرار من المعلوم بالتفصيل غير معقول إلّا بامتثال ما هو المعلوم بالتفصيل، و هو الأقلّ المأتيّ به في ضمن الأكثر.
ففرق بين درك لزوم الأكثر؛ كي ينافي دركه البراءة منه، و بين دركه لزوم الأقلّ منضمّا مع الأكثر؛ كي يعلم بسقوط الأمر المعلوم المتوجّه إلى الأقلّ. و ممّا ذكرنا يظهر مواضع الخلل في كلمات القوم حول المناقشة في هذا التقريب [٢].
و الذي هو الأصل في الخدشة؛ أنّ قاعدة الاشتغال اليقينيّ مصبّها الامور المضمونة على الإنسان، و المعتبرة في الذمّة كالديون، فإنّه باعتبار ثبوتها في الذمّة يحتاج إلى العلم بالسقوط، و أمّا باب التكاليف التي لا تتجاوز عن البعث و الزجر و حدود الحجّة القائمة عليهما، فهو خارج عنها.
و لعمري، إنّه كثيرا ما يقع الخلط؛ و يقولون بالاشتغال في مواضع البراءة غفلة عن حقيقة الحال.
[١]- نهاية الأفكار ٣: ٣٨٩.
[٢]- أنوار الهداية ٢: ٢٩٥.