بحوث فى علم النفس الفلسفي - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ١٨٩ - غرر في بعض أحوال النفس
والعاقل الحكيم هو الذي ينشد الحقيقة ولا يرضى بغيرها مَغنَماً مهما كانت المغريات لذيذة، فإنّها تبقى تُغري بالسراب والتلاشي واللاشيئية التي لا تكون بغية لسليم العقل وسديد الرأي، إذن فالعقل السليم يلحّ على صاحبه بالسعي وراء الحقائق ليزداد كمالًا، لأنّ الكمال
بالحقائق لا الموهومات وإن لبستْ لباس الحقيقة ليلتبس الأمر على الناس فيقعون في حبائل التيه وشراك الانحراف، فما بالك إذا غفل الإنسان عن حقيقة ذاته؟! الغفلة عن الحقائق الخارجة عن الذات مأساة عُظمى ومأزق كبير، لكنّ المأساة أكبر، والمأزق أعقد عندما يعتقد الإنسان أنّ شيئاً ما هو ذاته، ويقدّم له ما تفرضه الذات على صاحبها بينما ذلك الشيء ليس ذاتاً له، بل هو شيء تافه بالنسبة لذاته. أليس من الإسفاف أن يعتقد الإنسان أنّه منحصر الحقيقة بهذا المزاج الذي لا بقاء له، ويكدح طوال عمره ليؤمّن له حاجاته بمختلف الأساليب المشروعة وغير المشروعة، ثمّ إذا مات تحلّل وتفسّخ وتناثر في الأرض وانتهى كلّ شيء، وكما يقول الشاعر:
|
فَوَلَّتْ أمانيّ العذابُ تلاشياً |
ما يتلاشى الثلجُ في قُبلة الشمس |
|
ولمثل هذا الاعتقاد الفاسد آثاره الخطيرة على تفكير الإنسان إذ يجعله يعتقد بعبثية الخلقة، إذ ما معنى هذه الدورة في الكون إذا كان المآل والمصير
إلى العدم، والإنسان بطبعه ينشد الوجود ويأنس به، ومن هذا الاعتقاد ولدت فكرة النفور من الموت وعدم الارتياح لدى سماع لفظه فضلًا عن وقوعه، وهذا يلقي الإنسان في أتونٍ من العذاب الذي لا يهدأ «فالخوف من الموت والنفور منه كان إحدى العلل