بحوث فى علم النفس الفلسفي - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ١٨٣ - الوجهان
أخرى: هل عندنا موجود واحد واجد لكل هذه المراتب على نحو التشكيك أم عندنا موجود واحد له مظاهر متعدّدة بحسب ما فيه من كمالات، كالصادر الأوّل الذي هو موجود واحد، لكمالاته مظاهر متعددة كنشأة العقل والمثال والمادّة؟
الوجهان
الأوّل: إنّنا نجد أنّنا نحكم على مرئي بمطعوم مثلًا، أو جزئي بكلّي كقولنا: زيد إنسان، مع أنّ مدرِك زيد غير مدرِك إنسان، فالأوّل تدركه القوى الجزئية المرتبطة بالحواس، أما الثاني فتدركه القوة الكلّية العاقلة، ومن البديهي
أنّ الحاكم بين شيئين لابدّ من حضورهما لديه وعلمه بهما وإلّا فكيف يحكم عاقلٌ بمجهول على مجهول، فالمدرَك الجزئي حاضر لدى النفس كما المدرَك الكلّي أيضاً، وإلّا لما صحّ أن تحكم النفس على الجزئي بالكلّية.
وكذلك فإنّنا نجد أنّنا نتصرّف في الصور الخيالية والمعاني الكلّية منها والجزئية تصرّفات عديدة كالتركيب والتفصيل، فلابدّ من حضور هذه الأمور المتصرَّف بها لدى المتصرِّف وإلّا لما كان متصرِّفاً فيها كما هو الفرض. ومحصّل هذا الوجه: إنّ فينا قوّة واحدة تدرك شتّى ألوان المدرَكات وتتصرّف فيها وهي الأصل المحفوظ في كلّ القوى.
ويمكن عرض هذا الوجه على هيئة قياس من الشكل الأوّل هكذا:
الحاكم بين شيئين، حاضران له.
النفس، حاكم بين المرئي والمطعوم، مثلًا.
إذن: النفس حاضرٌ لها المرئي والمطعوم.