بحوث فى علم النفس الفلسفي - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ١٢٢ - شواهد من الكتاب
فيكون المدرِك الذي يرى الملكوت المجرّد أمراً مجرّداً كذلك؛ إذ لا معنى لإدراك أمر مادّي لأمر غير مادّي سيّما وإنّ العلم والإدراك هو حضور المدرَك للمدرِك، إذن فالرؤية للملكوت ليست رؤية مادّية وإنما هي رؤية تتناسب مع نشأة المرئي، ورؤية الملكوت هذه ليست حكراً على الأنبياء كإبراهيم ٧ بل الطريق مفتوح أمام الكلّ، غير أنّ الأنبياء والأوصياء :- سيّما النبي الخاتم ٦- قد بلغوا من هذه الرؤية مبلغاً لا يصل إليه أحدٌ غيرهم.
الشاهد الثاني: قوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ منْ سُلَالَةٍ منْ طينٍ. ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً في قَرَارٍ مَكينٍ ... ثُمَّ أنْشَأنَاهُ خَلْقاً آخَرَ ...[١]:
محلّ الشاهد قوله تعالى: ثُمَّ أنْشَأنَاهُ خَلْقَاً آخَرَ فإنّ التعبير بالإنشاء بدل الخلق
يدلّ على حدوث أمر حديث غير ما كان في العمليات التي تواردت عليه سابقاً، حيث إنّ مورد العمليات من خلق وجعل وإنشاء هو شيء واحد على ما يعطيه السياق وما يُفهم منه، والذي يؤكد ذلك أكثر هو وصف هذا المخلوق المنشأ إنشاءً بالآخر «أي بُدِّل وهو مادة ميّتة جاهلة عاجزة موجوداً ذا حياة وعلم وقدرة ... فهو تلك المادّة السابقة فإنّها التي صارت إنساناً، وليس بها إذ لا يشاركها في ذات ولا صفات، وإنما له نوع اتّحاد وتعلّق بها يستعملها في سبيل مقاصدها استعمال ذي الآلة للآلة كالكاتب للقلم»[٢].
[١] - المؤمنون: ١٤ ١٢.
[٢] - الميزان: ج ١٥، ص ٢١.