التربية الروحية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ٨٨ - علاقة علم الأخلاق بالعرفان العملي
سرعة السير إلّا بُعداً، فيفتح عينيه في ذاك اليوم فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ[١] ويرى أنّ كلّ شيء موجود إلّا الله عزّ وجلّ، وأنّ عمله لم يكن خالصاً لوجهه تعالى، بل أشرك معه ذاتاً أو جاهاً أو منصباً أو غير ذلك، والحقّ يقول: «يابن آدم أنا خير شريك، ما عملت فأنا أجزيك به اليوم، وما عملت لغيري فاطلب ثوابه ممّن عملت له».[٢]
ولابد من التنبيه مجدّداً إلى أنّ علم الأخلاق ليس علم اصطلاحات فقط، ولا أن يصعد أحدهم المنبر ليقول: الفناء في البقاء
والبقاء في الفناء .. فلا هو يدري ما يقول ولا السامع. ولو كان الأمر بمعرفة الاصطلاح فقط فإنّ الشيطان أكثر معرفة به من غيره وبه استطاع أن يغشّ الكثيرين، بل قد يكون العلم نفسه حجاباً، ولذا فسّر بعضهم ما ورد من أنّ العلم هو حجاب الله الأكبر، بأنّ العلم يكون كذلك إذا حجب الإنسان عن العمل، وهذا ما أشرنا إليه سابقاً من أنّ فصل العلوم النظرية عن العملية أدّى إلى أن يعطى للعلم بما هو قيمة مستقلّة مع كونه مطلوباً للعمل لا لذاته.
وعلى كلّ حال، فبعد أن يقع الإنسان على الصراط المستقيم يبدأ دور علم السلوك (العرفان العملي) الذي يتكفّل ببيان درجات ومنازل السائرين إلى الله سبحانه وتعالى والتي قد تسمّى بالمقامات أو الحالات أو أيّ عنوان آخر.
[١] -() ق: ٢٢.
[٢] -() كنز العمال، مؤسسة الرسالة، بيروت، ٤٨٤: ٣/ ٧٥٣٦.