التربية الروحية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ١٢٤ - العلاقة بين العمل والجزاء الأخروي علاقة من النحو الثالث
توضيح هذا: أنّ للفعل ظاهراً يمكنك أن تنظر إليه، وأن تراه بعينك، وتحسّ به بيدك، وتشمّه وتسمعه، وما إلى ذلك، كما أنّ للفعل وفي الوقت نفسه باطناً، وباطن العمل هذا هو جزاؤه، ولابدّ له من حواس باطنة لإدراكه لأنّه لا يدرك بالحواس الظاهرة كظاهره، فللإنسان سمع ظاهر وباطن، وشمّ ظاهر وباطن، وعين ظاهرة وباطنة، وهذا ما
عبّر عنه القرآن الكريم بقوله تعالى فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ[١]، وقال حكاية عن المجرم رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَ قَدْ كُنْتُ بَصِيراً. قَالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَ كَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى[٢]، فلم يكن المجرم في هذه الدنيا أعمى بصر بل كان أعمى قلب وبصيرة فلم يدرك آيات الله تبارك وتعالى.
ومن هنا نخلص إلى أنّ ظرف تحقّق الجزاء هو نفس ظرف تحقّق الفعل لأنّ الجزاء ما هو إلّا باطن العمل لا أمراً آخر، وأنّ الإنسان سوف ينال جزاءه من ثواب أو عقاب في هذه الدنيا ولن يؤجّل إلى الآخرة.
وحينئذ، نتساءل: فما هي وظيفة الآخرة، إذن؟
والجواب: أنّ الآخرة ظرف ظهور الجزاء لا وجوده، فما كان خافياً عليك ولم تستطع رؤيته هنا، سوف تلتفت إليه وتراه يوم القيامة؛ لأنّك بسبب معاصيك حُرمت من النظر
ى باطن العمل كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ[٣] كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ. لَتَرَوُنَ
[١] -() الحج: ٤٦.
[٢] -() طه: ٩٩ ٩٨.
[٣] -() المطففين: ١٤.