التربية الروحية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ٧٠ - التعريف الثاني للعلامة الطباطبائي
وشرعاً، ولها حدّ إفراط في الشدّة وحدّ تفريط في الخمود. وللقوة الغضبية كمال وحدّ اعتدال في الشجاعة وحدّ تفريط ونقصان في الجبن وحدّ إفراط ونقصان أيضاً في التهور. أما القوة الفكرية فكمالها في الحكمة وتفريطها في البله وإفراطها في الجربزة.
ولما كانت كل قوة من هذه القوى الثلاث ترغب بأشياء وتطالب بها وتدفع بالإنسان إلى تحصيلها حتى لو كانت على خلاف مصلحة القوّتين الأخريين، فلا حدّ مثلًا للأكل الذي تطالب به القوّة الشهوية حتى لو أثر ذلك على قوّة الإنسان الفكرية وأدّى إلى خموله وضعف فكره، ومن هنا يقع التزاحم بين هذه القوى وتقع المعركة الكبرى في مملكة ودائرة النفس، وإلى هذا أشار الرسول الأعظم ٦ حين خاطب القوم الذين رجعوا من
الجهاد بقوله: «مرحباً بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي عليهم الجهاد الأكبر»[١] وما ذلك إلّا لأن المعارك الخارجية الجهاد الأصغر ذات أمد محدود تنتهي به، وتبقى المعركة الداخلية الجهاد الأكبر مصاحبة للإنسان إلى آخر لحظة من لحظات حياته ما دامت له شهوة وغضب وعقل.
من هنا فمن الواجب على الإنسان أن لا يدع قوة من هذه القوى الثلاث تسلك مسلك الإفراط أو التفريط، وتميل عن حاق الوسط إلى طرفي الزيادة والنقيصة، فإن في ذلك خروجاً عن الهدف الذي من أجله خُلق الإنسان. ولا طريق له إلّا بأن يقيم العدالة بين هذه القوى الثلاث. وأن
[١] -() الكافي، دار الكتب الإسلامية، ج ٥، ص ١٢.